تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

29.69

نقول: جهد فلان يجهد أي أتعب نفسه واجتهد: ألح في الاجتهاد وجاهد غيره، فجاهد تدل على المفاعلة والمشاركة، وهي لا تتم إلا بين طرفين، وفي هذه الصيغة المفاعلة نغلب الفاعلية في أحدهما والمفعولية في الآخر، مع أنهما شركاء في الفعل، فكل منهما فاعل في مرة، ومفعول في أخرى، كأنك تقول: شارك زيد عمرا، وشارك عمرو زيدا. أو: أن الذي له ضلع أقوى في الشركة يكون فاعلا والآخر مفعولا. وبعد أن بين الحق سبحانه أن مثوى الكافرين المكذبين في جهنم وحرش المؤمنين بهم، وما داموا قد ظلموا هذا الظلم العظيم لا بد أن يوجد تأديب لهم، هذا التأديب لا لإرغامهم على الإيمان،

فمن شآء فليؤمن ومن شآء فليكفر..

[الكهف: 29] إنما التأديب أن نجهر بدعوتنا، وأن نعلي كلمة الحق، فمن شاء فليؤمن، ومن شاء فليظل على حاله، إذن: فالآية تبين موقف المؤمنين أمام هؤلاء المكذبين: ﴿ والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا.. ﴾ [العنكبوت: 69]. معنى جاهدوا فينا أي: من أجلنا ولنصرة ديننا، والخصومات التي نجاهدها في الله كثيرة: خصومة في مسألة القمة الإيمانية ووجود الإله الواحد كالملاحدة الذين يقولون بعدم وجود إله في الكون، وهؤلاء لهم جهاد، وأهل الشرك الذين يقرون بوجود الله لكن يدعون أن له شريكا، وهؤلاء لهم جهاد آخر. فجهاد الملاحدة بالمنطق وبالحجة ليقولوا هم بأنفسهم بوجود إله واحد، ونقول لهم: هل وجد من ادعى أنه خلق ذاته أو خلق غيره؟ بل تأملوا في أتفه الأشياء التي تستخدمونها في حياتكم: هذا الكوب الزجاجي وهو ترف ليس من ضروريات الحياة هل تقولون: إنه وجد هكذا دون صانع؟ إذن: كيف وجد؟ هل لدينا شجرة مثلا تطرح لنا هذه الأكواب؟ إذن: هي صنعة لها صانع، استخدم العقل الذي منحه الله إياه، وأعمله في المواد التي جعلها الله في الكون، واستنبط منها هذه المادة الزجاج. مصباح الكهرباء الذي اخترعه إديسون كم أخذ منه من جهد وبحث ودراسة، ثم يحتاج في صناعته إلى معامل ومهندسين وصيانة، ومع ذلك حصاة صغيرة تكسره فينطفىء، وقد أخذ أديسون كثيرا من الشهرة وخلدنا ذكراه، وما زالت البشرية تذكر له فضله. أفلا ينظرون في الشمس التي تنير الدنيا كلها منذ خلقها الله وإلى قيام الساعة دون أن تحتاج إلى صيانة، أو إلى قطعة غيار؟ وهل يستطيع أحد أن يتناولها ليصلحها؟ وهل تأبت الشمس عن الطلوع في يوم من الأيام، وما تزال تمدكم بالحرارة والأشعة والدفء والنور؟ أتعرف من صنع المصباح، ولا تعرف من صنع الشمس؟ لقد فكرتم في أتفه الأشياء وعرفتم من صنعها، وأرختم لهم، وخلدتم ذكراهم، ألم يكن أولى بكم التفكر في عظمة خلق الله والإيمان به؟ ثم قل لي أيها الملحد: إذا غشيك ظلام الليل، كيف تضيئه؟ قالوا: كل إنسان يضيء ظلام ليله على حسب قدرته، ففي الليل ترى الإضاءات مختلفة، هذا يجلس في ضوء شمعة، وهذا في ضوء لمبة جاز، وهذا في ضوء لمبة كهرباء، وآخر في ضوء لمبة نيون، فالأضواء في الليل متباينة تدل على إمكانات أصحابها، فإذا ما طلعت الشمس، وأضاء المصباح الرباني أطفئت كل هذه الأضواء، ولم يعد لها أثر مع مصباح الخالق الأعظم سبحانه.

أليس في هذا إشارة إلى أنه إذا جاءنا حكم من عند الله ينبغي أن نطرح أحكامنا جميعا لنستضىء بحكم الله؟ أليس في صدق المحسوس دليل على صدق المعنويات؟ وأنت يا من تدعي أن لله شريكا في ملكه: من الذي قال إن لله شريكا؟ لقد قلتها أنت من عند نفسك لأن الله تعالى حين قال: أنا إله واحد لا شريك لي لم يعارضه أحد، ولم يدع أحد أنه شريك لله. فهذا دليل على أن الشريك غير موجود، أو أنه موجود ولم يدر، أو درى ولم يقدر على المواجهة، وفي كلتا الحالتين لا يصلح أن يكون إلها. ثم على فرض أنه موجود، ما منهجه؟ بماذا أمرك وعم نهاك؟ ماذا أعد لك من النعيم إن عبدته؟ وماذا أعد لك من العذاب إن كفرت به؟ إذن: فهذا الإله المزعوم إله بلا منهج، فعبادته باطلة. أما هؤلاء الذين يؤمنون بدين سماوي ولا يؤمنون بالرسول صلى الله عليه وسلم فنقول لهم: يكفي من جوانب العظمة في شخصية محمد بن عبد الله أنه لا يتعصب لنفسه لأن قلبه مع كل من يؤمن بالله حتى وإن كفر به، محمد يحب كل من آمن بربه، وإن كفر بمحمد، إنه يتعصب لربه حتى فيمن كذبه. ثم أنتم يا أصحاب الديانات اليهودية أو المسيحية الذين عاصرتم ظهور الإسلام فأنكرتموه، مع أن دينكم جاء بعد دين، ورسولكم جاء بعد رسول سابق، فلماذا لما جاءكم محمد كذبتموه وكفرتم به؟ لماذا أبحتم أن يأتي عيسى بعد موسى عليهما السلام، وأنكرتم أن يأتي بعد عيسى محمد؟ إذن: لكل خصومة في دين الله جدل خاص ومنطق للمناقشة نقوم به في ضوء: ﴿ والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا.. ﴾ [العنكبوت: 69] وعليك أن تنظر أولا ما موقع الجهاد الذي تقوم به، فجهاد الملاحدة بأسلوب، وجهاد المشركين بأسلوب، وجهاد أهل الكتاب بأسلوب، وجهاد المسلم للمسلم كذلك له منطق إن دب بينهما الخلاف، مع أن الله تعالى قال:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٣٩٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٣٩٩