تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

29.21

لماذا بدأ الحق سبحانه هنا بذكر العذاب؟ في حين قدم المغفرة في آية أخرى:

يغفر لمن يشآء ويعذب من يشآء..

[المائدة: 18]. قالوا: لأن الكلام هنا عن المكذبين المعرضين وعن الكافرين، فناسب أن يبدأ معهم بذكر العذاب ﴿ يعذب من يشآء ويرحم من يشآء.. ﴾ [العنكبوت: 21] فإن قلت: فلماذا يذكر الرحمة مع الكافرين بعد أن هددهم بالعذاب؟ نقول: لأنه رب يهدد عباده أولا بالعذاب ليرتدعوا وليؤمنوا، ثم يلوح لهم برحمته سبحانه ليرغبهم في طاعته ويلفتهم إلى الإيمان به. وقد صح في الحديث القدسي:

" رحمتي سبقت غضبي "

ففي الوقت الذي يهدد فيه بالعذاب يلوح لعباده حتى الكافرين بأن رحمته تعالى سبقت غضبه. وقوله سبحانه: ﴿ وإليه تقلبون ﴾ [العنكبوت: 21] أي: ترجعون، وجاء بصيغة تقلبون الدالة على الغصب والانقياد عنوة ليقول لهم: مهما بلغ بكم الطغيان والجبروت والتعالي بنعم الله، فلا بد لكم من الرجوع إليه، والمثول بين يديه، فتذكروا هذه المسألة جيدا، حيث لا مهرب لكم منها لذلك كان مناسبا أن يقول بعدها: ﴿ ومآ أنتم بمعجزين في الأرض... ﴾.

29.22

معجزين: جمع معجز، وهو الذي يعجز غيره، تقول: أعجزت فلانا يعني: جعلته عاجزا، والمعنى أنكم لن تفلتوا من الله، ولن تتأبوا عليه، حين يريدكم للوقوف بين يديه، بل تأتون صاغرين. ونلحظ هنا أن الحق سبحانه قال: ﴿ ومآ أنتم بمعجزين.. ﴾ [العنكبوت: 22] ولم يقل مثلا: لن تعجزوني حين أطلبكم لأن نفي الفعل غير نفي الوصف، فحين تقول مثلا: أنت لا تخيط لي ثوبا، فهذا يعني أنه يستطيع أن يخيط لك ثوبا لكنه لا يريد، فالقدرة موجودة لكن ينقصها الرضا بمزاولة الفعل، إنما حين تقول: أنت لست بخائط فقد نفيت عنه أصل المسألة. لذلك لم ينف عنهم الفعل حتى لا نتوهم إمكانية حدوثه منهم، فالهرب والإفلات من لقاء الله في الآخرة أمر غير وارد على الذهن أصلا، إنما نفى عنهم الوصف من أساسه ﴿ ومآ أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السمآء.. ﴾ [العنكبوت: 22]. ثم يقول سبحانه: ﴿ وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير ﴾ [العنكبوت: 22] حتى لا يقول قائل: إن كانوا هم غير معجزين، فقد يكون وراءهم من يعجز الله، أو وراءهم من يشفع لهم، أو يدافع عنهم، فنفى هذه أيضا لأنه سبحانه لا يعجزه أحد، ولا يعجزه شيء. لذلك خاطبهم بقوله:

ما لكم لا تناصرون

[الصافات: 25] أين الفتوات الأقوياء ينصرونكم؟ فنفى عنهم الولي، ونفى عنهم النصير لأن هناك فرقا بينهما: الولي هو الذي يقرب منك بمودة وحب، وهذا يستطيع أن ينصرك لكن بالحسنى وبالسياسة، ويشفع لك إن احتجت إلى شفاعته، أما النصير فهو الذي ينصرك بالقوة و الفتونة. وهكذا نفى عنهم القدرة على الإعجاز، ونفى عنهم الولي والنصير، لكن ذكر ﴿ من دون الله.. ﴾ [العنكبوت: 22] يعني: من الممكن أن يكون لهم ولي ونصير من الله تعالى، فإن أرادوا الولي الحق والنصير الحق فليؤمنوا بي، فأنا وليهم وأنا نصيرهم. وكأنه سبحانه يقول لهم: إن تبتم ورجعتم عما كنتم فيه من الكفر واعتذرتم عما كان منكم، فأنا وليكم وأنا نصيركم. وفي موضع آخر قال:

وما لكم من ناصرين

[العنكبوت: 25] ولم يقل من دون الله لأن الموقف في الآخرة، والآخرة لا توبة فيها ولا اعتذار ولا رجوع، فقوله ﴿ من دون الله.. ﴾ [العنكبوت: 22] لا تكون إلا في الدنيا. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ والذين كفروا بآيات... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٣٣٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٣٣٦