وقد أصبح هذا الوقت قضية عامة، تعد مخالفتها من قبيل المكر والخدعة في الحرب، كما خالفها قادتنا في حرب أكتوبر 73، حيث فاجأوا عدوهم في وقت الظهيرة، وقد تمت لهم المفاجأة، وأخذوا عدوهم على غرة لأنهم غيروا الوقت المعتاد، وهو الصبح. إذن: على الإنسان ألا يتخذ في أموره قضية رتيبة، بل يخضع أموره لما يناسبها. ومن الطرائف: حرص الرجل على أن يوقظ ولده مبكرا ليذهب إلى عمله، ويقضي مصالحه، فقال له الوالد: ابن فلان استيقظ مبكرا، فوجد محفظة بها مائة جنيه، فقال الولد - وكان كسولا لا يريد أن يستقيظ مبكرا: هذه المحفظة وقعت من واحد استيقظ قبله. ومعنى ﴿ جاثمين ﴾ [العنكبوت: 37] يعني: هامدين بلا حراك. ثم تنتقل بنا الآيات إلى لقطات أخرى موجزة من مواكب الرسالات، وكأنها برقيات: ﴿ وعادا وثمودا وقد تبين... ﴾.
29.38
نلحظ في هذه البرقيات السريعة أنها تذكر المقدمة، ثم النهاية مباشرة ﴿ وعادا وثمودا.. ﴾ [العنكبوت: 38] هذه المقدمة ﴿ وقد تبين لكم من مساكنهم.. ﴾ [العنكبوت: 38] هذا موجز لما نزل بهم، وكأن الحق سبحانه يقول لنا: لن أحكي لكم ما حاق بهم لأنكم تشاهدون ديارهم، وتمرون عليها ليل نهار
وإنكم لتمرون عليهم مصبحين * وباليل أفلا تعقلون
[الصافات: 137-138]. والآن مع الثورة العلمية استطاعوا تصوير ما في باطن الأرض، وظهرت كثير من الآثار لهذه القرى عاد وثمود والأحقاف، واقرأ قوله سبحانه وتعالى:
ألم تر كيف فعل ربك بعاد * إرم ذات العماد
[الفجر: 6-7]. وطبيعي الآن أن نجد آثار السابقين تحت التراب، ولا بد أن نحفر لنصل إليها لأن عوامل التعرية طمرتها بمرور الزمن، ولم لا والواحد منا لو غاب عن بيته شهرا يعود فيجد التراب يغطي أسطح الأشياء، مع أنه أغلق الأبواب والنوافذ، ولك أن تحسب نسبة التراب هذه على مدى آلاف السنين في أماكن مكشوفة. وحكوا أن الزوابع والعواصف الرملية في رمال الأحقاف مثلا كانت تغطي قافلة بأكملها، إذن: كيف ننتظر أن تكون آثار هذه القرى باقية على سطح الأرض؟ والآن نشاهد في الطرق الصحراوية مثلا إذا هبت عاصفة واحدة فإنها تغطي الطرق بحيث تعوق حركة المرور إلى أن تزاح عنها هذه الطبقة من الرمال. إذن: علينا أن نقول: نعم يا رب رأينا مساكنهم ومررنا بها - ولو من خلال الصور الحديثة التي التقطت لهذه القرى ﴿ وزين لهم الشيطان أعمالهم.. ﴾ [العنكبوت: 38] يعني: أغواهم بالكفر، وأقنعهم أنه الأسلوب السليم والأمثل في حركة الحياة ﴿ فصدهم عن السبيل.. ﴾ [العنكبوت: 38] فما دام قد زين لهم سبيل الشيطان فلا بد أن يصدهم عن سبيل الإيمان ﴿ وكانوا مستبصرين ﴾ [العنكبوت: 38] يعني: لم نأخذهم على غرة. لأن المبدأ الذي اختاره الله تعالى لخلقه
وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا
[الإسراء: 15] رسولا يبين لهم وينذرهم، ويحذرهم عاقبة الكفر لذلك لم يأخذهم الله تعالى إلا بعد أن أرسل إليهم رسولا فكذبوه. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ وقارون وفرعون وهامان ولقد جآءهم... ﴾.