من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب
[الشورى: 20]. إذن: فالخير الباقي هو الخير في الآخرة. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ إنما تعبدون من دون الله أوثانا... ﴾.
29.17
قوله تعالى: ﴿ إنما تعبدون.. ﴾ [العنكبوت: 17] أي: على حد زعمهم، وعلى حد قولهم:
ما نعبدهم إلا ليقربونآ إلى الله زلفى..
[الزمر: 3]، وإلا فلا عبادة لهذه الآلهة، حيث لا أمر عندهم ولا نهي ولا منهج، فعبادتهم إذن باطلة. وهم يعبدون الأوثان من دون الله فإن ضيق عليهم الخناق قالوا:
ما نعبدهم إلا ليقربونآ إلى الله زلفى..
[الزمر: 3] فهم بذلك مشركون، ومن لم يقل بهذا القول فهو كافر. والوثن: ما نصب للتقديس من حجر، أيا كان نوعه: حجر جيري، أو جرانيت، أو مرمر. أو كان من معدن: ذهب أو فضة أو نحاس.. إلخ أو من خشب، وقد كان البعض منهم يصنعه من العجوة، فإن جاع أكله، وقد حكى هذا على سبيل التعجب سيدنا عمر رضي الله عنه. وبأي عقل أو منطق أن تذهب إلى الجبل وتستحسن منه حجرا فتنحته على صورة معينة، ثم تتخذه إلها تعبده من دون الله، وهو صنعة يدك، وإن أطاحت به الريح أقمته، وإن كسرته رحت تصلح ما تكسر منه وترممه، فأي عقل يمكن أن يقبل هذا العمل؟ لذلك يخاطبهم القرآن:
قال أتعبدون ما تنحتون
[الصافات: 95] وكلما تقدم العالم تلاشت منه هذه الظاهرة لأنها مسألة لم تعد تناسب العقل بأية حال. ومعنى ﴿ وتخلقون إفكا.. ﴾ [العنكبوت: 17] أي: توجدون، والإيجاد يكون من عدم، فهم يوجدون من عدم، لكن أيوجدون صدقا؟ أم يوجدون كذبا؟ إنهم يوجدون ﴿ إفكا.. ﴾ [العنكبوت: 17] والإفك تعمد الكذب الذي يقلب الحقائق، ومن ذلك قوله سبحانه:
والمؤتفكة أهوى
[النجم: 53] أي: القرى التي كفأها الله على نفسها. وسبق أن أوضحنا أن الحقيقة هي القضية الصادقة التي توافق الواقع، فلو قلت مثلا: محمد كريم، فلا بد أن هناك شخصا اسمه محمد وله صفة الكرم، فإن اختلف الواقع فلم يوجد محمد أو وجد ولم تتوفر له صفة الكرم، فالقضية كاذبة لأنها مخالفة للواقع، هذا هو الإفك. فالحق سبحانه لا يعيب عليهم الخلق لأنه أثبت للعباد خلقا، فقال سبحانه:
فتبارك الله أحسن الخالقين
[المؤمنون: 14]. والفرق أنك تخلق من موجود، أما الحق سبحانه فيخلق من العدم، فأنت توجد الثوب من القطن مثلا، وكوب الزجاج من الرمل، والمحراث من الحديد.. إلخ فأوجدت معدوما عن موجود سابق، أما الخالق سبحانه فأوجد معدوما عن لا موجود. وسبق أن أوضحنا أن صنعة البشر تجمد على حالها، فالسكين مثلا يظل سكينا فلا يكبر، حتى يصير ساطورا مثلا، والكوب لا يلد لنا أكوابا أخرى. لكن خلقة الله سبحانه لها صفة النمو والحياة والتكاثر.. إلخ لذلك أنصفك الله فوصفك بأنك خالق، لكن هو سبحانه أحسن الخالقين. إذن: الحق سبحانه لا يعيب على هؤلاء أنهم يخلقون، إنما يعيب عليهم أن يخلقوا إفكا وكذبا.
ثم يقول سبحانه: ﴿ إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقا فابتغوا عند الله الرزق.. ﴾ [العنكبوت: 17] في موضع آخر بين لهم الحق سبحانه أنهم يعبدون آلهة لا تضر ولا تنفع، وهنا يذكر مسألة مهمة هي استبقاء الحياة للإنسان بالقوت الذي نسميه الرزق، فهذه الآلهة التي تعبدونها من دون الله لا تملك لكم رزقا، ولو امتنع عنكم المطر وأجدبت الأرض لمتم من الجوع. إذن: كان عليكم أن تتأملوا: من أين تأتي مقومات حياتكم، ومن صاحب الفضل فيها، فتتوجهون إليه بالعبادة والطاعة، كما نقول في المثل اللي ياكل لقمتي يسمع كلمتي إنما أطعمك وتسمع لغيري؟!! والرزق هو الشغل الشاغل عند الناس، ففي أول الأمر كلنا يجتهد لنأكل ونشرب ونعيش، فلما تتحسن الأمور نرغب في التخزين للمستقبل، فالموظف مثلا يدخر لشهر، والزارع يدخر للعام كله. ومن أعاجيب هذه المسألة أنك تجد الإنسان والفأر والنمل هم الوحيدون بين مخلوقات الله التي تدخر للمستقبل، أما بقية الحيوانات فتأخذ حاجتها من الطعام فقط، وتترك الباقي دون أن تهتم بهذه المسألة، أو تشغل برزق غد أبدا، لا يأكل أكثر من طاقته، ولا يدخر شيئا لغده. لذلك يذكر الله عباده بمسألة الرزق لأهميتها في حياتهم، ومن عجيب أمر الرزق أنه أعرف بمكانك وعنوانك، منك بمكانه وعنوانه، فإن قسم لك الرزق جاءك يطرق عليك الباب، وإن حرمت منه أعياك طلبه. ومن أوضح الأمثلة على أن الرزق مقسوم مقدر من الله لكل منا أن المرأة حين تحمل يمتنع عنها الحيض الذي كان يأتيها بشكل دوري قبل الحمل، فأين ذهب هذا الدم؟ هذا الدم هو رزق الجنين في بطن أمه لا يأخذه ولا يستفيد به غيره حتى الأم. فإن قدر الجنين تحول هذا الدم إلى غذاء له خاصة، فإن لم يقدر للأم أن تحمل نزل منها هذا الدم على صورة كريهة، لا بد من التخلص منه لأنه ضار بالأم إن بقي لا بد من نزوله، لأنه ليس رزقها هي، بل رزق ولدها في أحشائها، ولو لم يكن هذا الدم رزقا للجنين لكانت الأم تضعف كلما تكررت لها عملية نزول الدم بهذه الصورة الدورية. إذن: لكل منا رزق لا يأخذه غيره. لذلك يقول أحد الصالحين: عجبت لابن آدم يسعى فيما ضمن له ويترك ما طلب منه. فربك قد ضمن لك رزقك فانظر إلى ما طلب منك، واشغل نفسك بمراد الله فيك لذلك نتعجب من هؤلاء المتسولين الذين كنا نراهم مثلا في مواسم الحج، وشرهم من يعرضون عاهاتهم وعاهات أبنائهم على الناس يتسولون بها، وكأنهم يشتكون الخالق للخلق، ويتبرمون بقضاء الله، والله تعالى لا يحب أن يشكوه عبده لخلقه.