29.46
الحق - تبارك وتعالى - يعلمنا كيف نجادل أهل الكتاب، وقبل أن نتكلم عن ألوان الجدل في القرآن الكريم نقول: ما معنى الجدل؟ الجدل: مأخوذ من الجدل، وهو فتل الشيء ليشتد بعد أن كان لينا كما نفتل حبالنا في الريف، فالقطن أو الصوف مثلا يكون منتفشا يأخذ حيزا واسعا، فإذا أردنا أن نأخذ منه خيطا جمعنا بعض الشعيرات ليقوي بعضها بعضا بلفها حول بعضها، وبجدل الخيوط نصنع الحبال لتكون أقوى، وعلى قدر الغاية التي يراد لها الحبل تكون قوته. ومن الجدل أخذ الجدال والجدل والمجادلة، وفي معناها: الحوار والحجاج والمناظرة، ومعناه أن يوجد فريقان لكل منهما مذهب يؤيده ويدافع عنه ليفتن الآخر أي: ليلفته عن مذهبه إلى مذهبه هو. فإذا كان المقصود هو الحق في الجدال أو الحجاج أو المناظرة فهذا الاسم يكفي، لكن إن دخل الجدال إلى مراء أو لجاجة، فليس القصد هو الحق، إنما أن يتغلب أحد الفريقين على الآخر، والجدل في هذه الحالة له أسماء متعددة، منها قوله تعالى:
للجوا في طغيانهم..
[المؤمنون: 75]. لكن إذا فتلنا الشيء المنفوش حتى صار مضمرا، وأخذ من الضمر قوة، أأنت تجعل في الجدل خصمك قويا؟ إنك تحاول أن تقوي نفسك في مواجهته. قالوا: حين أنهاه عن الباطل وأعطفه ناحية الحق، فإنه يقوي يقينه في شيء ينفعه، وكأنه كان منتفشا آخذا حيزا أكبر من حجمه بالباطل الذي كان عليه، فأنا قويته بالحق. وفي العامية نقول فلان منفوخ على الفاضي أو نقول فلان نافش ريشه كأنه أخذ حيزا أكبر من حجمه. لذلك نلحظ أن التغلب في الجدل لا يكون لمجرد الجدل، إنما تغلبك لحق ينفع الغير ويقويه ويرده إلى حجمه الطبيعي. أو: أن الجدل مأخوذ من الجدال وهي الأرض، كأن يطرح القوي الضعيف أرضا في صراع مثلا. والجدال يكون بين شخصين، لكل منهما رأيه الذي يألفه ويحبه ويقتنع به، فحين تجادله تريد أن تخرجه عن رأيه الذي يألف إلى رأيك الذي لا يألفه ولم يعتده، فأنت تجمع عليه أمرين: أن تخرجه عما ألف واعتاد إلى ما لم يألف، فلا يكن ذلك بأسلوب يكرهه حتى لا تجمع عليه شدتين. فعليك إذن باللين والاستمالة برفق لأن النصح ثقيل كما قال شوقي رحمه الله: فلا تجعله جبلا، ولا ترسله جدلا، وعادة ما يظهر الناصح أنه أفضل من المنصوح. ويقولون: الحقائق مرة، فاستعيروا لها خفة البيان لأنك تخرج خصمك عما ألف، فلا تخرجه عما ألف بما يكره، بل بما يحب. والإنسان قد يعبر عن الحقيقة الواحدة تعبيرا يكره، ويعبر عنها تعبيرا يحب وترتاح إليه، كالملك الذي رأى في منامه أن كل أسنانه قد سقطت، فطلب من يعبر له ما رأى، فجاءه المعبر واستمع منه، ثم قال: معنى هذه الرؤيا يا مولاي أن أهلك جميعا سيموتون، فتشاءم من هذا التعبير ولم يعجبه، فأرسلوا إلى آخر فقال: هذا يعني أنك ستكون أطول أهل بيتك عمرا، فسر الملك بقوله.
فهنا المعنى واحد، لكن أسلوب العرض مختلف. ودخل رجل على آخر، فوجده يبكي فقال: ما يبكيك؟ قال: أخذت ظلما، فتعجب وقال: فكيف بك إذا أخذت عدلا؟ أكنت تضحك. والمعنى أن من أخذ ظلما لا ينبغي له أن يحزن لأنه لم يفعل شيئا يشينه، والأولى بالبكاء من أخذ عدلا وبحق. ورجل قتل له عزيز فجلس يصرخ ويولول، فدخل عليه صاحبه مواسيا فقال له الرجل: إن ابني قتل ظلما، فقال صاحبه: الحمد لله الذي جعل منك المقتول، ولم يجعل منك القاتل. إذن: سلامة المنطق وخفة البيان أمر مهم، وعلى المجادل أن يراعي بيانه، وأن يتحين الفرصة المناسبة، فلا تجادل خصمك وهو غضبان منك أو وأنت غضبان منه. قالوا: مر رجل فوجد صبيا يغرق في البحر، فلم ينتظر حتى يخلع ثيابه، وألقى بنفسه وأنقذ الصبي، ثم أخذ يضربه ويلطمه، والولد يقول: شكرا لك بارك الله فيك، لماذا؟ لأنه قسا عليه بعد أن أنقذه، لكن ما الحال لو وقف على البر، وكال له الشتائم وعنفه، لماذا ينزل البحر وهو لا يعرف العوم؟ لذلك يقول الحكماء: آس ثم انصح. لذلك يعلمنا ربنا - عز وجل - أصول الجدل وآدابه لأنه يريد أن يخرج بهذا الجدل أناسا من الكفر إلى الإيمان، ومن الجحود إلى اليقين، وهذا لا يتأتى إلا باللطف واللين، كما قال سبحانه: