أنزل من السمآء مآء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما يوقدون عليه في النار ابتغآء حلية أو متاع زبد مثله كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفآء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال
[الرعد: 17]. فالفتنة ما كانت إلا لنعرف الصادق في القولة الإيمانية والكاذب فيها: الصادق سيصبر ويتحمل، والكاذب سينكر ويتردد. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ ولقد فتنا الذين من قبلهم... ﴾.
29.3
الحق - سبحانه وتعالى - يسلي السابقين من أمة محمد الذين عذبوا وأوذوا، وضربوا بالسياط تحت حر الشمس، ووضعت الحجارة الثقال على بطونهم، والذين جاعوا حتى أكلوا الميتة وأوراق الشجرة يسليهم: لستم بدعا في هذه الابتلاءات فاصمدوا لها كما صمد السابقون من المؤمنين. ﴿ ولقد فتنا الذين من قبلهم.. ﴾ [العنكبوت: 3] فانظر مثلا إلى ابتلاء بني إسرائيل مع فرعون، إذن فابتلاؤكم أهون وأخف، وفيه رحمة من الله بكم وأنتم أيسر منهم ﴿ فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين ﴾ [العنكبوت: 3]. ولك أن تقول: ألم يكن الله تعالى يعلم حقيقتهم قبل أن يبتليهم؟ بلى، يعلم سبحانه حقيقة عباده، وليس الهدف من اختبارهم العلم بحقيقتهم، إنما الهدف أن يقر العبد بما علم عنه. ومثال ذلك - ولله المثل الأعلى - حينما نقول للمدرس مثلا: اعطنا نتيجة هؤلاء التلاميذ، فليس في الوقت سعة للامتحان فيقول من واقع خبرته بهم: هذا ناجح، وهذا راسب، وهذا الأول، وهذا كذا. عندها يقوم الراسب ويقول: لو اختبرتني لكنت ناجحا، ولو اختبره معلمه لرسب فعلا. إذن: فربنا - عز وجل - يختبر عباده ليقر كل منهم بما علم عنه. ﴿ فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين ﴾ [العنكبوت: 3] علم ظهور وإقرار من صاحب الشأن نفسه، بحيث لا يستطيع إنكارا، حيث سيشهد هو على نفسه حين تشهد عليه جوارحه.