تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

29.11

نعم، الحق سبحانه يعلم حال عباده حتى قبل أن يخلقوا، ويعلم ماذا سيحدث لهم، إنما هناك فرق بين علم مسبق على الحدث، وعلم بعد أن يقع الحدث نفسه لأنه سبحانه لو قال: سأفعل بهم كذا وكذا لأني أعلم ما يحدث منهم لقالوا: لا والله ما كان سيحدث منا شيء لذلك يتركهم حتى يحدث منهم الفعل. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ وقال الذين كفروا للذين... ﴾.

29.12

وهذا لون من ألوان الإيذاء أن يقول الذين كفروا للذين آمنوا ﴿ اتبعوا سبيلنا.. ﴾ [العنكبوت: 12] أي: ما نحن عليه من دين الآباء والأجداد، وما نحن عليه من عبادة الأصنام والأوثان، فنحن نعبد آلهة لا تكاليف لها ولا مطلوبات، وأنتم تعبدون إلها له منهج، وله مطلوبات بافعل كذا ولا تفعل كذا. فالمعنى: ﴿ اتبعوا سبيلنا.. ﴾ [العنكبوت: 12] خذوا الحكم منا ﴿ ولنحمل خطاياكم.. ﴾ [العنكبوت: 12] يعني: اعملوا على مسئوليتنا، وإن كانت عليكم خطايا سنحملها عنكم، وانظر هنا إلى غباء الكافر فقد آمن هو نفسه أن هذه خطيئة، ومع ذلك يتعرض لحملها، لكن كيف يحملها؟ وكيف يكون هو المسئول عنها أمام الله - عز وجل - حين يحاسبني ربي عليها ويعاتبني على اتباعي له؟ وهل للكافر شفاعة أو قوة يدافع بها عني في الآخرة؟ لذلك يقول تعالى بعدها: ﴿ وما هم بحاملين من خطاياهم من شيء إنهم لكاذبون ﴾ [العنكبوت: 12] ويؤكد لنا سبحانه كذبهم أيضا في قوله تعالى:

إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب..

[البقرة: 166]. ويقول التابعون:

ربنآ أرنا الذين أضلانا من الجن والإنس نجعلهما تحت أقدامنا ليكونا من الأسفلين

[فصلت: 29]. فالمودة التي كانت بينهم في الدنيا تحولت إلى عداوة لأنهم اجتمعوا في الدنيا على الضلال، فتفرقوا في الآخرة، كما قال سبحانه:

الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين

[الزخرف: 67] فالمتقي ساعة يرى المتقي في الآخرة يشكره، ويعترف له بالجميل لأنه أخذ على يديه في الدنيا، ومنعه من أسباب الهلاك، فيحبه ويثني عليه، وربما اعتبره عدوه في الدنيا، أما أهل الضلال فيلعن بعضهم بعضا، ويتبرأ بعضهم من بعض. إذن: فغباء الكفار بين في قولهم: ﴿ ولنحمل خطاياكم.. ﴾ [العنكبوت: 12]، كما هو بين في قولهم

اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السمآء أو ائتنا بعذاب أليم

[الأنفال: 32]. وكما هو بين في قولهم:

لا تنفقوا على من عند رسول الله..

[المنافقون: 7] فهم يعرفون أنه رسول الله، ومع ذلك يمنعون الناس من الإنفاق على الفقراء الذين عنده، إنه غباء حتى في المواجهة.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٣٢٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٣٢٦