تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بمآ آتاكم..

[الحديد: 23]. فمعنى:

لكيلا تأسوا على ما فاتكم..

[الحديد: 23] الانقباض

ولا تفرحوا بمآ آتاكم..

[الحديد: 23] الانبساط. وكلاهما مذموم منهي عنه، لكن من ذا الذي لا يأسى على ما فات، ولا يفرح بما هو آت؟ لذلك نجد البلداء الذين لا تهزهم الأحداث بصحة قوية لأنهم لا يهتمون للخطوب، حتى أن الشعراء لم يفتهم هذا المعنى، حيث يقول أحدهم:

وفي البلادة ما في العزم من جلد

إن البليد قوي النفس عاتيها

فاسأل أولي العزم إن خارت عزائمهم

عن البلادة هل مادت رواسيها؟

فالذي تظنه بلادة هو عزم قوي في استقبال الأحداث والصمود لها. إذن: الرحمة في منهج الله إن التزمنا به نأمن من الأدواء، مادية كانت أم معنوية.

29.52

قل أي: للمنكرين لك ﴿ كفى بالله بيني وبينكم شهيدا.. ﴾ [العنكبوت: 52] أي: حسبي أن يشهد الله لي بأني بلغت، فشهادتكم عندي لا تنفع، كما أنه لا ينفعني إيمانكم، ولا يضرني كفركم، فأجري آخذه من ربي على مجرد البلاغ وقد بلغت، وشهد الله لي بذلك. وفي موضع آخر يقول سبحانه:

ويقول الذين كفروا لست مرسلا قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم..

[الرعد: 43] أي: أنكم لم تكتفوا بالآيات، ولم تؤمنوا بها، لكني أكتفي برب هذه الآيات شهيدا بيني وبينكم، إذن: هناك خصومة في البلاغ بين محمد صلى الله عليه وسلم وقومه الذين يكذبونه في البلاغ عن ربه. فلا بد إذن من فصل في هذه الخصومة، وإذا ما نظرنا إلى قضايا الخلق في الخصومات وجدنا إما أن يقر المتهم، وإما أن يشهد شاهد حق لا شاهد زور، ثم يعرض الأمر على القاضي ليحكم بالشهادة أو البينة. ولا بد في القاضي ألا يكون صاحب هوى، ثم يأتي دور تنفيذ الحكم، وهي السلطة التنفيذية، وهذه أيضا ينبغي ألا يكون لها هوى، فتنفذ الحكم على حقيقته، فكأن الخصومات عند البشر تمر بمراحل متعددة، وقد تتميع الحقائق إذا لم تتوفر الشروط اللازمة لهذه الأطراف، فلو شهد الشاهد زورا أو مال القاضي أو المنفذ للحكم ودلس في التنفيذ لانقلبت المسائل. أما في حكومة الحق - سبحانه وتعالى - في الخصومة بين محمد وقومه، فكفى به سبحانه حاكما وقاضيا ومنفذا، لماذا؟ لأنه سبحانه: ﴿ يعلم ما في السماوات والأرض.. ﴾ [العنكبوت: 52]. فلا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، يعلم السر وأخفى، فأي شهادة إذن أعدل من شهادته؟ وهو سبحانه قاض عادل يحكم بالحق لأنه ليس له سبحانه هوى يميل به إلى الباطل، وهو سبحانه لا يبدل في تنفيذ الأحكام لأنه ينفذ حكمه هو سبحانه. إذن: من الفائز في حكومة قاضيها الحق - تبارك وتعالى - وأطراف الخصومة فيها محمد وقومه؟ فاز رسول الله في أن يكون الله هو الشهيد، وخسر الكافرون حين كفروا به، ولم تكفهم البينة التي جاءتهم في القرآن الكريم. وعلم الله للغيب ليس علاجا ومذاكرة ليعلم، إنما تأتي الأمور بتوقيت منه قديم أزلا، والعالم يظهر على وفق ما يراه أزلا لذلك يقول سبحانه:

إنمآ أمره إذآ أراد شيئا أن يقول له كن فيكون

[يس: 82]. أي: يقول للشيء، فكأنه موجود فعلا ينتظر الأمر من الله بالظهور للناس، فقوله كن للظهور فقط، أما مسألة الخلق فمنتهية أزلا، والماكيت موجود، فالحق سبحانه يعلم غيب السماوات والأرض، أما نحن فلا نعلم حتى غيب أنفسنا. ويقول سبحانه:

يعلم السر وأخفى

[طه: 7] فهل هناك أخفى من السر؟ قالوا: السر ما تسره في نفسك، والأخفى منه أن يعلمه سبحانه قبل أن يكون في نفسك.

وقد وقف البعض عند قوله تعالى:

يعلم ما تبدون وما تكتمون

[النور: 29] وقوله سبحانه:

يعلم الجهر من القول ويعلم ما تكتمون

[الأنبياء: 110]. يقولون: ما وجه امتنان الله بعلم الجهر من القول، وبعلم ما نبدي، فهذا شيء غير مستور يعرفه الجميع؟ ونقول: افهم عن الله مراده، فالمعنى لم يقل سبحانه: أعلم ما تبدي أنت، ولا ما تجهر به أنت، إنما ما تبدون كلكم، وما تجهرون به كلكم، ولتوضيح هذه المسألة تصور مظاهرة من عدة مئات أو عدة آلاف تختلط بينهم الهتافات والأصوات وتتداخل الكلمات، بحيث لا تستطيع أن تميز صوت هذا من صوت ذاك. لكن الحق سبحانه يستطيع تمييز هذه الأصوات، وإعادة كل منها إلى صاحبه لذلك نرى في المظاهرات أن كل إنسان يستطيع أن يقول ما يشاء، ويهتف بما لا يجرؤ أن يهتف به منفردا لأن صوته سيختلط مع الأصوات، ويستتر فيها فلا يعرف مصدره، وهكذا يكون علم الجهر أقوى من علم الغيب. فإن قلت: إن بعض العلماء باكتشافاتهم وبحوثهم توصلوا إلى معرفة أسرار كانت مستترة في الكون، كالكهرباء والذرة وغيرها، فهم بذلك يعلمون الغيب. نقول: نعم، علموا شيئا كان مستورا في الكون، لكن علموه بمقدمات خلقها الله ويسرها لهم، فأخذوا هذه المقدمات وتوصلوا بها إلى اكتشافاتهم، كما يحل ولدك مثلا تمرين الهندسة، فيستعين بالمعطيات. إذن فهو في حقيقة الأمر ليس غيبا، بل هو شيء موجود، لكن له ميلاد ووقت يظهر فيه، فإن جاء وقته يسر الله لخلقه الوصول إليه، إما بالبحث واستخدام المقدمات، فإذا صادف ميلاد السر بحث الخلق يقال: إنهم أحاطوا علما ببعض غيب الله. ويقول تعالى:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٣٧٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٣٧٧