29.40
الكلام هنا عن المكذبين والكافرين الذين سبق ذكرهم: قوم عاد، وثمود، ومدين، وقوم لوط، وقارون، وفرعون، وهامان، فكان من المناسب أن يذكر الحق سبحانه تعليقا يشمل كل هؤلاء لأنهم طائفة واحدة. فقال: ﴿ فكلا.. ﴾ [العنكبوت: 40] أي: كل من سبق ذكرهم من المكذبين فالتنوين في ﴿ فكلا.. ﴾ [العنكبوت: 40] عوض عن كل من تقدم ذكرهم، كالتنوين في:
وأنتم حينئذ تنظرون
[الواقعة: 84] فهو عوض عن جملة
فلولا إذا بلغت الحلقوم
[الواقعة: 83]. وقوله سبحانه: ﴿ أخذنا بذنبه.. ﴾ [العنكبوت: 40] والأخذ يناسب قوة الأخذ وقدرته لذلك يقول سبحانه عن أخذه للمكذبين
أخذ عزيز مقتدر
[القمر: 42] فالعزيز: الذي يغلب ولا يغلب، والمقتدر أي: القادر على الأخذ، بحيث لا يمتنع منه أحد فهو عزيز. والأخذ هنا بسبب الذنوب ﴿ بذنبه.. ﴾ [العنكبوت: 40] ليس ظلما ولا جبروتا ولا جزافا، إنما جزاء بذنوبهم وعدلا ولذلك يأتي في تذييل الآية: ﴿ وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ﴾ [العنكبوت: 40]. ثم يفصل الحق سبحانه وتعالى وسائل أخذه لهؤلاء المكذبين: ﴿ فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا.. ﴾ [العنكبوت: 40] الحاصب: هو الحصى الصغار ترمي لا لتجرح، ولكن يحمي عليها لتكون وتلسع حين يرميهم بها الريح، ولم يقل هنا: أرسلنا عليهم نارا مثلا لأن النار ربما إن أحرقته يموت وينقطع ألمه، لكن رميهم بالحجارة المحمية تلسعهم وتديم آلامهم، كما نسمعهم يقولون: سأحرقه لكن على نار باردة ذلك ليطيل أمد إيلامه. ثم يقول سبحانه: ﴿ ومنهم من أخذته الصيحة.. ﴾ [العنكبوت: 40] وهو الصوت الشديد الذي تتزلزل منه الأرض، وهم ثمود ﴿ ومنهم من خسفنا به الأرض.. ﴾ [العنكبوت: 40] أي: قارون ﴿ ومنهم من أغرقنا.. ﴾ [العنكبوت: 40] وهم قوم نوح، وفرعون. هذه وسائل أربعة لإهلاك المكذبين، النار في الحصباء، والهواء في الصيحة، والتراب في الخسف، ثم الماء في الإغراق، ورحم الله الفخر الرازي حين قال في هذه الآية أنها جمعت العناصر التي بها وجود الإنسان والعناصر الأساسية أربعة: الماء والنار والتراب والهواء. وكانوا يقولون عنها في الماضي العناصر الأربعة، لكن العلم فرق بعد ذلك بين العنصر والمادة. فالمادة تتحلل إلى عناصر، أما العنصر فلا يتحلل لأقل منه، فهو عبارة عن ذرات متكررة لا يأتي منها شيء آخر، فالهواء مادة يمكن أن نحلله إلى أكسجين و... إلخ وكذلك الماء مادة تتكون من عدة عناصر وذرات إلى أن جاء مندليف ووضع جدولا للعناصر، وجعل لكل منها رقما أسماها الأرقام الذرية، فهذا العنصر مثلا رقم واحد يعني: يتكون من ذرة واحدة، وهذا رقم اثنين يعني يتكون من ذرتين.. إلخ إلى أن وصل إلى رقم 93، لكن وجد في وسط هذه الأرقام أرقاما ناقصة اكتشفها العلماء فيما بعد.
فمثلا، جاءت مدام كوري، واكتشفت عنصر الراديوم، فوجدوا فعلا أن رقمه من الأرقام الناقصة في جدول مندليف، فوضعوه في موضعه، وهذا يدل على أن الكون مخلوق بعناصر مرتبة وصلت مع التقدم العلمي الآن إلى 105 عناصر. ولما حلل العلماء عناصر التربة المخصبة التي نأكل منها المزروعات وجدوها 16 عنصرا، تبدأ بالأكجسين كأعلى نسبة، وتنتهي بالمنجنيز كأقل نسبة، لأنها لم تصل إلى الواحد من الألف. فلما حللوا عناصر جسم الإنسان وجدوا نفس هذه العناصر الستة عشرة. وكأن الحق - سبحانه وتعالى - أقام حتى الكفار ليثبتوا الدليل على صدقه تعالى في خلق الإنسان من طين، لنعلم أن الحق سبحانه حينما يريد أن يظهر سرا من أسرار كونه يأتي به ولو على أيدي الكفار. وأول من قال بالعناصر الأربعة التي يتكون منها الكون فيلسوف اليونان أرسطو الذي توفي سنة 384 قبل الميلاد، وعلى أساس هذه العناصر الأربع كانوا يحسبون النجم، فمثلا عن الزواج يحسبون نجم الزوج والزوجة حسب هذه العناصر، فوجدوا نجم الزوج هواء، ونجم الزوجة نارا، فقالوا هيجعلوها حريقة، وفي مرة أخرى وجدوا الزوجة مائية والزوج ترابيا فقالوا هيعملوها معجنة. ومعلوم أن الحق سبحانه لطلاقة قدرته تعالى يجعل عناصر البقاء هي نفسها عناصر الفناء، وهو سبحانه القادر على أن ينجي ويهلك بالشيء الواحد، كما أهلك فرعون بالماء، وأنجى موسى - عليه السلام - بالماء. كذلك حين نتأمل هذه العناصر الأربعة نجدها عناصر تكوين الإنسان، حيث خلقه الله من ماء وتراب فكان طينا، ثم جف بالحرارة حتى صار صلصالا كالفخار، ثم هو بعد ذلك يتنفس الهواء، فبنفس هذه العناصر التي كان منها الخلق يكون بها الهلاك. والحق - سبحانه وتعالى - يريد من خلقه أن يقبلوا على الكون في كل مظاهره وآياته بيقظة ليستنبطوا ما فيه من مواطن العبر والأسرار لذلك نجد أن كل الاكتشافات جاءت، نتيجة دقة الملاحظة لظواهر الكون. ويلفتنا ربنا إلى أهمية العلم التجريبي، فيقول: