يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم..
[الحديد: 12]. ويقول سيدنا عمر بن عبد العزيز: ما قصر بنا في علم ما جهلناه، إلا تقصيرنا في العمل بما علمناه فالذي جعلنا لا نعرف أسرار الله أننا قصرنا في العمل بما أمرنا به، إذن: فلماذا يعطينا ونحن لا نعمل بما أخذنا من قبل، لكن حين تعمل بما علمت، فأنت مأمون على منهج الله، فلا يحرمك المزيد، كما قال سبحانه:
والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم
[محمد: 17]. وقوله تعالى:
يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا..
[الأنفال: 29] والفرقان من أسماء القرآن، فحين تتقي الله على مقتضاه، وبمدلول منهجه في القرآن يمنحك فرقانا آخر ونورا آخر تبصر به حقائق الأشياء، وتهتدي به إلى الحكم الصحيح، هذا النور الذي وهبه الله للإمام علي - رضي الله عنه - حينما دخل على عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فوجده يريد أن يقيم الحد على زوجة ولدت لستة أشهر، والشائع أن فترة الحمل تسعة أشهر، فقال لعمر: لكن الله قال غير ذلك يا أمير المؤمنين، قال عمر: وماذا قال يا علي؟ قال علي: قال الله تعالى:
والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة..
[البقرة: 233] يعني: أربعة وعشرون شهرا. وقال في موضع آخر:
وحمله وفصاله ثلاثون شهرا..
[الأحقاف: 15] وبطرح العددين يكون الباقي ستة أشهر، وهي أقل مدة للحمل. هذا هو الفرقان الذي يمنحه الله للمؤمنين الذين عملوا بما علموا لذلك كان عمر بن الخطاب وما أدراك ما عمر؟ عمر الذي كان ينزل الوحي على وفق رأيه، كان يقول: بئس المقام بأرض ليس فيها أبو الحسن. ومعلوم أن عليا - رضي الله عنه - تربى في حجر رسول الله، وشرب من معينه، فكل معلوماته إسلامية، وله في الحق حجة ومنطق. فمثلا في موقعة صفين التي دارت بين علي ومعاوية كان عمار بن ياسر في صفوف علي، فقتله جنود معاوية، فتذكر الصحابة قول رسول الله لعمار
" ويح عمار، تقتله الفئة الباغية "
فعلموا أنها فئة معاوية. فأخذ الصحابة يتركون صفوف معاوية إلى صفوف علي، فأسرع عمرو بن العاص وكان في جيش معاوية، فقال له: يا أمير المؤمنين فشت فاشية في الجيش، إن هي استمرت فلن يبقى معنا أحد، قال: وما هي؟ قال: تذكر الناس قول رسول الله
" ويح عمار تقتله الفئة الباغية "
قال معاوية: فأفش فيهم، إنما قتله من أخرجه للقتال - أي علي - فلما بلغ عليا هذه المقالة قال بما عنده من الفرقان والحجة: إذن قولوا له من قتل حمزة بن عبد المطلب؟ فمن عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم، ومثلنا لذلك قلنا: هب أن لك ولدا متعثرا غير موفق في حياته العملية، فنصحك إخوانك بأن تعطيه فرصة، وتجربه ولو بمشروع صغير في حدود مائة جنيه، فلما فعلت بدد الولد هذا المبلغ ولم ينتفع به، أتجرؤ على منحه مبلغا آخر؟ وإنما لو ثمر هذا المبلغ ونماه لأعطيته أضعافا. ثم يقول سبحانه: ﴿ وإن الله لمع المحسنين ﴾ [العنكبوت: 69] الإحسان من الإنسان أن يعبد الله كأنه يراه، فإن لم يكن يراه فإنه يراه، والإحسان في الأداء أن تزيد عما فرض الله عليك، لكن من جنس من فرض، فإذا أنت أحسنت أحسن الله إليك بأن يزيدك إشراقا، ويزيدك نورانية، ويخفف عنك أعباء الطاعة، ويقبح في نفسك المعاصي. لذلك بلغت محبة أحد العارفين للطاعة حتى قال: اللهم إني أخاف ألا تثيبني على طاعتي لأنني أصبحت أشتهيها. يعني: لو لم تكن هناك جنة ولا نار لفعلت الطاعة لأنها أصبحت بالنسبة لي شهوة نفس، وقد أمرتنا يا رب أن نخالف شهوة النفس لذلك أخاف ألا تثيبني عليها، ولمثل هذا نقول: ﴿ وإن الله لمع المحسنين ﴾ [العنكبوت: 69]. كلمة مع تفيد المعية، والمعية في أعراف البشر أن يلتقي شيء بشيء، لكن إذا كانت المعية مع الله فافهم أنها معية أخرى غير التي تعرفها مع زميلك أو صديقك، خذها في إطار