بل فعله كبيرهم هذا..
[الأنبياء: 63] أي: عندما حطم الأصنام. ويقول هؤلاء المتصيدون: إنها أقوال منافية لعصمة الأنبياء. لكن ما قولكم إن كان صاحب الأمر والحكم شهد له بالصلاح في الآخرة؟ ثم إن المتأمل في هذه الأقوال يجدها من قبيل المعاريض التي قال عنها النبي صلى الله عليه وسلم:
" إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب "
فقوله عن سارة: إنها أختي، هي فعلا أخته في الإيمان، وربما لو قال زوجتي لقتله الملك ليتزوجها هو. أما قوله
إني سقيم
[الصافات: 89] فهو اعتذار عن مشهد كافر لا ينبغي للمؤمن حضوره، كما أن السقم يكون للبدن، ويكون للقلب فيحتمل أن يكون قصده سقيم القلب لما يراه من كفر القوم. وقوله
بل فعله كبيرهم هذا..
[الأنبياء: 63] أراد به إظهار الحجة وإقامة الدليل على بطلان عبادة الأصنام، فأراد أن ينطقهم هم بما يريد أن يقوله ليقررهم بأنها أصنام لا تضر ولا تنفع ولا تتحرك. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ ولوطا إذ قال لقومه... ﴾.
29.28
هنا ينتقل السياق من قصة إبراهيم لقصة ابن أخيه لوط، ونلحظ أن القرآن في الكلام عن نوح وإبراهيم ولوط بدأ الحديث بذكره أولا، وعادة القرآن حينما يتكلم عن الرسل يذكر القوم أولا، كما قال تعالى:
وإلى عاد أخاهم هودا..
[الأعراف: 65]،
وإلى ثمود أخاهم صالحا..
[الأعراف: 73]،
وإلى مدين أخاهم شعيبا..
[الأعراف: 85]. قالوا: لأن قوم نوح، وقوم إبراهيم، وقوم لوط لم يكن لهم اسم معروف، فذكر أنبياءهم أولا، أما عاد وثمود ومدين فأسماء لأناس معروفين، ولهم قرى معروفة، فالأصل أن القوم هم المقصودون بالرسالة والهداية لذلك يذكرون أولا فهم الأصل في الرسالة، أما الرسول فليست الرسالة وظيفة يجعلها الله لواحد من الناس. ﴿ ولوطا إذ قال لقومه إنكم لتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين ﴾ [العنكبوت: 28] وسمى خسيسة قومه فاحشة لذلك قال العلماء في عقوبتها: يصير عليها ما يصير على الفاحشة من الجزاء لأن الحق سبحانه سمى الزنا فاحشة فقال
إنه كان فاحشة..
[النساء: 22] والزنا شرع له الرجم، وكذلك يكون جزاء من يفعل فعلة قوم لوط الرجم. وقوله: ﴿ ما سبقكم بها من أحد من العالمين ﴾ [العنكبوت: 28] لا يعني هذا أن أحدا لم يفعلها قبلهم، لكنها إن فعلت فهي فردية، ليست وباء منتشرا كما في هؤلاء.