29.67
رأى قلنا: تأتي بصرية، وتأتي بمعنى علم، ومنه قولنا في الجدال مثلا أرى في الموضوع الفلاني كذا وكذا، ويقولون: ولرأى الرؤيا انم ما لعلما، وتجد في أساليب القرآن كلاما عن الرؤيا المخاطب بها غير راء للموضوع، كما في قوله سبحانه مخاطبا النبي صلى الله عليه وسلم:
ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل
[الفيل: 1]. ومعلوم أن النبي لم ير ما حدث من أمر الفيل لأنه ولد في هذا العام فرأى هنا بمعنى علم، لكن لماذا عدل عن ألم تعلم إلى ألم تر؟ قالوا: لأن المتكلم هنا هو الله تعالى، فكأنه يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم: إذا أخبرتك بشيء، فإن إخباري لك به أصدق من رؤيتك. يقول سبحانه: ﴿ أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم.. ﴾ [العنكبوت: 67] فالحرم آمن رغم ما حدث له من ترويع قبل الإسلام حين فزعه أبرهة، وفي العصر الحديث لما فزعه جهيمان، وعلى مر العصور حدثت تجاوزات في الحرم تتناقض في ظاهرها مع هذا الأمن. ونقول: كلمة ﴿ حرما آمنا.. ﴾ [العنكبوت: 67] في القرآن بالنسبة للكعبة فيها ثلاث إطلاقات: فالذين يعيشون فيه وقت نزول هذه الآيات يرون أنه حرم آمن، وهذا الأمن موهوب لهم منذ دعوة سيدنا إبراهيم - عليه السلام -. فحين دعا ربه:
ربنآ إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم..
[إبراهيم: 37] كان مكانا خاليا، لا حياة فيه وغير مسكون، ومعنى ذلك أنه لم تكن به مقومات الحياة، فالإنسان لا يبني ولا يستقر إلا حيث يجد مكانا يأمن فيه على نفسه، ويتوفر له فيه كل مقومات حياته. لذلك دعا إبراهيم ربه أن يجعل هذا المكان بلدا آمنا يعني يصلح لأن يكون بلدا، فقال:
رب اجعل هذا بلدا آمنا
[البقرة: 126]. وبلد هنا نكرة تعني: أي بلد لمؤمنين أو لكافرين، فلما استجاب الله له، وجعلها بلدا كأي بلد تتوفر له مقومات الحياة دعا مرة أخرى:
رب اجعل هذا البلد آمنا..
[إبراهيم: 35] أي: هذه التي صارت بلدا أريد لها ميزة على كل البلاد، وأمنا أزيد من أمن أي بلد آخر، أمنا خاصا بها، لا الأمن العام الذي تشترك فيه كل البلاد، لماذا؟ لأن فيها بيتك. لذلك يرى فيها الإنسان قاتل أبيه، ولا يتعرض له حتى يخرج، فالجاني مؤمن إن دخل الحرم، لكن يضيق عليه أسباب الحياة حتى يخرج، حتى لا يجترئ الناس على بيت الله ويفسدون أمنه، ومن هذا الأمن الخاص ألا يصاد فيه، ولا يعضد شجرة، ولا يروع ساكنه. وكأن الحق - سبحانه وتعالى - يقول للمشركين: لماذا لا تؤمنون بهذا الدين الذي جعل لكم بلدا آمنا، في حين يتخطف الناس من حولكم؟ لماذا لا تحترمون وجودكم في هذا الأمن الذي وهبه الله لكم.
وعجيب منهم أن يقولوا كما حكى القرآن عنهم:
وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنآ..
[القصص: 57] كيف وقد حميناكم أيام كنتم مشركين تعبدون الأصنام، أنترككم بعد أن تؤمنوا مع رسول الله. وقصة هذا الأمن أولها في حادثة الفيل، لما جاء أبرهة ليهدم بيت الله ويحول الناس إلى بيت بناه باليمن، فرد الله كيدهم، وجعلهم كعصف مأكول، وحين نقرأ هذه السورة على الوصل بما بعدها تتبين لنا العلة من هذا الأمن، ومن هذه الحماية، اقرأ:
ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل * ألم يجعل كيدهم في تضليل * وأرسل عليهم طيرا أبابيل * ترميهم بحجارة من سجيل * فجعلهم كعصف مأكول
[الفيل: 1-5] لماذا؟
لإيلاف قريش * إيلافهم رحلة الشتآء والصيف
[قريش: 1-2]. فالعلة في أن جعلهم الله كعصف مأكول
لإيلاف قريش
[قريش: 1] لأن اللام في لإيلاف للتعليل، وهي في بداية كلام، فالعلة في أن الله لم يمكن الأعداء من هدم البيت لتظل لقريش مهابتها ومكانتها بين العرب، ومهابتها مرتبطة بالبيت الذي يقصده الناس من كل مكان. وهذه المكانة تؤمن تجارة قريش في رحلة الشتاء إلى اليمن، ورحلة الصيف إلى الشام، لا يتعرض لهم أحد بسوء، وكيف يجترىء أحد عليهم أو يتعرض لتجارتهم وهم حماة البيت؟ فمعنى