تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

29.13

وفي موضع آخر:

ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا سآء ما يزرون

[النحل: 25]. فالأثقال هي الأوزار، فسيحملون أثقالا على أثقالهم، وأوزارا على أوزارهم، فالأثقال الأولى بسبب ضلالهم، والأثقال الأخرى بسبب إضلالهم للغير ﴿ وليسألن يوم القيامة عما كانوا يفترون ﴾ [العنكبوت: 13] والافتراء: تعمد الكذب. وبعد أن تكلم الحق سبحانه عن المقدمات في عمومها، أراد أن يتكلم عنها في خصوص الرسالات، فقال سبحانه: ﴿ ولقد أرسلنا نوحا... ﴾.

29.14

يقول العلماء: إن نوحا - عليه السلام - هو أول رسل الله إلى البشر، أما من سبقه مثل آدم وإدريس عليهما السلام، فكانوا أنبياء أوحى الله إليهم بشرع يعملون به، فيكونون نموذجا إيمانيا، وقدوة سلوك طيب، يقلدهم من رآهم، لكن لا يعد كافرا من لم يقتد بهم، أما إن اقتدى بهم ثم نكث عن سبيلهم فهو كافر. لذلك نفرق بين النبي والرسول، بأن النبي أوحي إليه بشرع يعمل به ولم يؤمر بتبليغه، أما الرسول فقد أوحي إليه بشرع وأمر بتبليغه فكل منهما مرسل، لذلك يقول تعالى:

ومآ أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي..

[الحج: 52]. إذن: فالنبي أيضا مرسل، لكنه مرسل لذاته. لكن لماذا كان هذا قبل نوح بالذات؟ قالوا: لأن الرقعة الإنسانية كانت ضيقة قبل نوح، وكان الناس حديثي عهد، لم تنتشر بينهم الانحرافات، فلما اتسعت الرقعة، وتداخلت أمور الحياة احتاجت الخليقة لأن يرسل الله إليهم الرسل. والحق سبحانه يأتي بهذه اللقطة الموجزة من قصة نوح - عليه السلام - مع أن له سورة مفردة، وله لقطات كثيرة منثورة في الكتاب العزيز، لكن هذه اللقطة تأتي لنا بالبداية والنهاية فقط وكأنها برقية تلغرافية في مسألة نوح: ﴿ ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه.. ﴾ [العنكبوت: 14]. إذن: الرسول جاء من القوم، وهذا يعني أنهم يعرفونه قبل أن يكون رسولا، ويجربون سلوكه وحركته في الحياة، ويعرفون خلقه، ويعرفون كل تصرفاته، فليس الرسول بعيدا عنهم أو مجهولا لهم. لذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما جهر بالدعوة آمن به الذين يعرفونه عن قرب دون أن يسألوه عن معجزة تؤيده، بل بمجرد أن قال أنا رسول الله آمنوا به وصدقوه واتبعوه. فسيدنا أبو بكر، هل سمع من رسول الله قبل أن يؤمن به؟ لا، إنما بمجرد أن قالوا له: إن صاحبك تنبأ قال: آمنت به، لماذا؟ لأنه يعرف له سوابق يبني عليها إيمانه بصاحبه، فما كان محمد ليكون صاحب خلق عظيم مع الناس، ثم يكذب على الله. إذن: ففي كون الرسول من قومه إيناس للخلق لذلك لما قالوا: لا نؤمن إلا إذا جاءنا الرسول ملكا رد عليهم: أأنتم ملائكة حتى ينزل عليكم ملك؟

قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السمآء ملكا رسولا

[الإسراء: 95]. ولو فرض أننا أرسلناه ملكا أهم يرون الملائكة؟ لا يرونها، فكيف إذن يبلغ الملك الناس؟ لا بد أن يأتيهم في صورة بشر، ولو أتاهم في صورة بشر لقالوا نريد ملكا. وقوله عز وجل: ﴿ فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما.. ﴾ [العنكبوت: 14] هذا العدد من الممكن أن يؤدى لمعان كثيرة، فلم يقل: فلبث فيهم تسعمائة وخمسين عاما.

وفي الأعداد في القرآن أسرار كثيرة، واقرأ مثلا:

وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة..

[الأعراف: 142]. وفي آية سورة البقرة قال الحق سبحانه:

وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة..

[البقرة: 51]. ففي سورة البقرة إجمال، وفي آية الأعراف تفصيل. والحكمة في هذا أن موسى عليه السلام ما إن ذهب لميقات ربه حتى عبد قومه العجل في مدة الثلاثين ليلة. ولم يشأ الله أن يترك موسى ليعود لقومه بعد الثلاثين ليلة، بل أتمها بعشر أخر، حتى لا يعود موسى ويرى ما فعله قومه، فكأن العشر زادت على الثلاثين ليلة، ليعطيك الصورة الأخيرة الموجودة في سورة البقرة. فالمسألة في منتهى الدقة، ولو لم يأت بالاستثناء في قوله: ﴿ إلا خمسين عاما.. ﴾ [العنكبوت: 14] فربما يظن السامع أن المسألة تقريبية، لكن التقريب في عد البشر، أما في حساب الحق سبحانه فهو منتهى الدقة، كما لو سئلت مثلا عن الساعة، فتقول: الساعة العاشرة إلا دقيقة ونصفا، يعني: منتهى ما في استطاعتك من حساب الوقت. فإن قلت: فلماذا هذه اللقطة السريعة من قصة نوح عليه السلام؟ نقول: هي لتسلية رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن قومه وقفوا منه موقف العداء والمكابرة والتكذيب، وآذوا أصحابه، وضيقوا الخناق على دعوته، وقد طالت هذه المسألة حتى أخذت ثلاث عشرة سنة من عمر الدعوة، فسلاه ربه: اصبر يا محمد، فقد صبر زميل لك في الدعوة ألف سنة إلا خمسين عاما، يعني مدة المشقة التي تحملتها ما زالت بسيطة هينة، وقد تحمل أولو العزم من الرسل أكثر من ذلك. ونلحظ هنا ﴿ ألف سنة.. ﴾ [العنكبوت: 14] ثم استثنى منها ﴿ إلا خمسين عاما.. ﴾ [العنكبوت: 14] ولم يقل خمسين سنة، فاستثنى الأعوام من السنين، ليدلك على أن السنة تعني أي عام، ويرفع الخلاف لأن البعض يقول: إن السنة هي التي تبدأ من أول المحرم إلى آخر ذي الحجة، في حين أن السنة ليس من الضروري أن تبدأ بالمحرم وتنتهي بذي الحجة، إنما تبدأ في أي وقت وتنتهي في مثله بعد عام كامل. فحين نقول: فلان عمره مثلا عشرون سنة، أي: من يوم مولده إلى مثله عشرين مرة، وكذلك العام. إذن: السنة والعام والحجة، كلها سواء أردت الحساب بالسنة الشمسية، أو القمرية، أو غيرها كما تحب. ومعلوم أن التوقيتات عندنا توقيتات هلالية بالشهر العربي لأن الشمس لا يعرف من حركتها إلا اليوم، إنما لا نعرف منها الشهر، الشهر نعرفه بحركة القمر حين يولد الهلال، وبالشهر نحسب السنة التي هي أثنا عشر شهرا قمريا وتزيد أحد عشر يوما في السنة الشمسية. وكأن الحق سبحانه أراد أن يعلمنا أن السنة هي العام، لا فرق بينهما، ولا داعي للجاج في هذه المسألة.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٣٢٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٣٢٧