29.42
يقول سبحانه: ﴿ إن الله يعلم ما يدعون من دونه من شيء.. ﴾ [العنكبوت: 42] لأنهم حين ضيق عليهم الخناق قالوا: نحن لا نعبد الأصنام، إنما نعبد الكواكب التي تسير هذه الأصنام أو الملائكة، فرد الله عليهم: ﴿ إن الله يعلم ما يدعون من دونه من شيء.. ﴾ [العنكبوت: 42] وقوله هنا ﴿ من شيء.. ﴾ [العنكبوت: 42] للتقليل، كأن ما يدعونه من دونه لا يعد شيئا، أو هو أتفه من أن يكون شيئا، أو يعلم سبحانه ما يدعون من دونه من أي شيء. أو أن شيء من قولنا: شاء يشاء شيئا، فالشيء ما يراد من الغير أن يفعله، والذي شاء هو الله تعالى، وكأنهم يعبدون الشيء ويتركون خالقه، وهو الأحق بالعبادة سبحانه، فماذا جرى لكم؟! تعبدون المخلوق وتتركون الخالق، وبعد أن كرمكم الله تهينون أنفسكم، وترضون لها الدون، حيث تعبدون ما هو أقل منكم مرتبة في الخلق، والأصنام جمادات، وهي أدنى أجناس الوجود. ثم يقول سبحانه: ﴿ وهو العزيز الحكيم ﴾ [العنكبوت: 42] العزيز الذي يغلب، ولا يغلب، وهو الحكيم في كل ما قضى وأمر. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ وتلك الأمثال نضربها... ﴾.
29.43
فمن يسمع المثل من الله تعالى ثم لا يعقله فليس بعالم لذلك ليسوا علماء الذين اعترضوا على قوله تعالى:
إن الله لا يستحى أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها..
[البقرة: 26] حيث استقلوا البعوضة، ورأوها لا تستحق أن تضرب مثلا. ونقول لهم: أنتم لستم عاقلين ولا عالمين بدقة المثل، واقرأوا:
إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له..
[الحج: 73] بل وأكثر من ذلك:
وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه..
[الحج: 73]. دعك من مسألة الخلق، وتعال إلى أبسط شيء في حركة حياتنا إذا وقع الذباب على طعامك، فأخذ منه شيئا أتستطيع أن تسترده منه مهما أوتيت من القوة والجبروت؟ إذن: فالذبابة ليست شيئا تافها كما تظنون، بل وأقل منها الناموس والميكروب وغيره مما لا يرى بالعين المجردة مخلوقات لله، فيها أسرار تدل على قدرته تعالى. كما قال سبحانه:
إن الله لا يستحى أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها..
[البقرة: 26] أي: ما فوقها في الصغر، ولك أن تتأمل البعوضة، وهي أقل حجما من الذباب، وكيف أن لها خرطوما دقيقا ينفذ من الجلد، ويمتص الدم الذي لا تستطيع أنت إخراجه إلا بصعوبة، والميكروب الذي لا تراه بعينك المجردة ومع ذلك يتسلل إلى الجسم فيمرضه، ويهد كيانه، وربما انتهى به إلى الموت. إذن: ففي هذه المخلوقات الحقيرة في نظرك عبر وآيات، لكن لا يعقلها إلا العالمون، ومعظم هذه الآيات والأسرار اكتشفها غير مؤمنين بالله، فكان منهم من عقلها فآمن، ومن لم يعقلها فظل على كفره على أنه أولى الناس بالإيمان بالله لأن لديه من العلم ما يكتشف به أسرار الخالق في الخلق. لذلك جاء في الأثر: " العالم الحق هو الذي يعلم من خلقه، ولم خلقه ". ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ خلق الله السماوات... ﴾.