تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

29.8

الوالدان يخدمان الابن حتى يكبر، ويصير هو إلى القوة في حين يصيران هما إلى الضعف، وإلى الحاجة لمن يخدمهما، وحين ننظر في حال الغربيين مثلا وكيف أن الأبناء يتركون الآباء دون رعاية، وربما أودعوهم دار المسنين في حالة برهم بهم، وفي الغالب يتركونهم دون حتى السؤال عنهم لذلك تتجلى لنا عظمة الإسلام وحكمة منهج الله في مجتمع المسلمين. لذلك قال أحد الحكماء: الزواج المبكر خير طريقة - لا لإنجاب طفل - إنما الإنجاب أب لك يعولك في طفولة شيخوختك. لذلك أراد الحق سبحانه أن يبني الأسرة على لبنات سليمة، تضمن سلامة المجتمع المؤمن، فقال سبحانه: ﴿ ووصينا الإنسان بوالديه حسنا.. ﴾ [العنكبوت: 8]، وفي موضع آخر قال سبحانه في نفس الوصية

ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا..

[الأحقاف: 15]. وفرق بين المعنيين: ﴿ حسنا.. ﴾ [العنكبوت: 8] أي: أوصيك بأن تعمل لهم الحسن ذاته، كما تقول: فلان عادل، وفلان عدل، فوصى بالحسن ذاته. أما في

إحسانا..

[الأحقاف: 15] فوصية بالإحسان إليهما. لكن، لماذا وصى هنا بالحسن ذاته، ووصى هناك بالإحسان؟ قالوا: وصى بالحسن ذاته في الآية التي تذكر اللدد الإيماني، حيث قال: ﴿ وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهمآ.. ﴾ [العنكبوت: 8] والكفر يستوجب العداوة والقطيعة، ويدعو إلى الخصومة، فأكد على ضرورة تقديم الحسن إليهما لا مجرد الإحسان لأن الأمر يحتاج إلى قوة تكليف. أما حين لا يكون منهما كفر، فيكفي في برهما الإحسان إليهما لذلك يقول سبحانه:

وصاحبهما في الدنيا معروفا..

[لقمان: 15]. والحق سبحانه حين يوصي بالوالدين، وهما السبب المباشر في الوجود إنما ليجعلهما وسيلة إيضاح لأصل الوجود، فكما أوصاك بسبب وجودك المباشر وهما الوالدان، فكذلك ومن باب أولى يوصيك بمن وهب لك أصل هذا الوجود. فكأن الحق سبحانه يؤنس عباده بهذه الوصية، ويلفت أنظارهم إلى ما يجب عليهم نحو واهب الوجود الأصلي وما يستحقه من العبادة ومن الطاعة لأنه سبحانه الخالق الحقيقي، أما الوالدان فهما وجود سببي. هذا إيناس بالإيمان، بينه تعالى في قوله:

واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا..

[النساء: 36] لأنهما سبب الوجود الجزئي، والله تعالى سبب الوجود الكلي. وهذا أيضا من المواضع التي وقف عندها المستشرقون، يبغون فيها مطعنا، ويظنون بها تعارضا بين آيات القرآن في قوله تعالى:

وصاحبهما في الدنيا معروفا..

[لقمان: 15] وفي موضع آخر:

لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوآدون من حآد الله ورسوله ولو كانوا آبآءهم..

[المجادلة: 22]. وهذا التعارض لا يوجد إلا في عقول هؤلاء لأنهم لا يفهمون لغة القرآن، ولا يفرقون بين الود والمعروف: الود ميل القلب، وينشأ عن هذا الميل فعل الخير، فيمن تميل إليه، أما المعروف فتصنعه مع من تحب ومن لا تحب، فهو استبقاء حياة.

وهنا يقول سبحانه: ﴿ وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهمآ إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون ﴾ [العنكبوت: 8] يعني: تذكر هذا الحكم، فسوف أسألك عنه يوم القيامة، ففي موضع آخر

وصاحبهما في الدنيا معروفا واتبع سبيل من أناب إلي ثم إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون

[لقمان: 15]. فكفر الوالدين لا يعني السماح لك بإهانتهما أو إهمالهما، فاحذر ذلك لأنك ستسأل عنه أمام الله: أصنعت معهما المعروف أم لا؟ وحيثيات الوصية بالوالدين: الأب والأم ذكرت في الآية الأخرى:

ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا حملته أمه كرها ووضعته كرها وحمله وفصاله ثلاثون شهرا..

[الأحقاف: 15] نلحظ أن الحيثيات كلها للأم، ولم يذكر حيثية واحدة للأب إلا في قوله تعالى:

وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا

[الإسراء: 24] وهذه تكون في الآخرة. قالوا: ذكر الحيثيات كلها للأم لأن متاعب الأم كانت حال الصغر، والطفل ليس لديه الوعي الذي يعرف به فضل أمه وتحملها المشاق من أجله، وحين يكبر وتتكون لديه الإدراكات يجد أن الأب هو الذي يقضي له كل ما يحتاج إليه. إذن: فحيثيات الأب معلومة مشاهدة، أما حيثيات الأم فتحتاج إلى بيان. يقول الحق سبحانه: ﴿ والذين آمنوا وعملوا الصالحات... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٣٢٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٣٢٤