تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

29.37

فلماذا يكذب الناس دعوة الخير؟ قالوا: لا يكذب دعوة الخير إلا المستفيدون من الشر لأن الخير سيقطع عليهم الطريق، ويسحب منهم مكانتهم وسلطتهم وسيادتهم، فكل الذين عارضوا رسل الله كانوا أكابر القوم ورؤساءهم، وقد ألفوا السيادة والعظمة، واعتادوا أن يكون الناس عبيدا لهم، فكيف إذن يفسحون الطريق للرسل ليأخذوا منهم هذه المكانة؟ وإلا، فلماذا كان عبد الله بن أبي يكره رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ لأنه يوم وصل رسول الله إلى المدينة كانوا يعدون التاج لعبد الله بن أبي، لينصبوه ملكا على المدينة، فلما جاءها رسول الله شغلوا بهذا الحدث الكبير، وانصرفوا عن هذه المسألة. لكن، ماذا قال شعيب لقومه حتى يكذبوه؟ لقد قال لهم أمرين هما:

اعبدوا الله وارجوا اليوم الأخر..

[العنكبوت: 36] ونهي واحد في

ولا تعثوا في الأرض مفسدين

[العنكبوت: 36] ومعلوم أن الأمر والنهي قول لا يحتمل الصدق، ولا يحتمل الكذب لأنه إنشاء وليس خبرا، لأنه ما معنى الكذب؟ الكذب أن تقول لشيء وقع أنه لم يقع، أو لشيء لم يقع أنه وقع، وهذا يسمونه خبرا. فإن وافق كلامك الواقع فهو صدق، وإن خالف الواقع فهو كذب، إذن: كيف نحكم على ما لم تقع له نسبة أنه صدق أو كذب؟ حينما تقول مثلا: قف. هل نقول لك إنك كاذب؟ لا، لأن واقع الإنشاء لا يأتي إلا بعد أن تتكلم، لذلك قسموا الكلام العربي إلى خبر وإنشاء. ولكي نبسط هذه المسألة على المتعلم نقول: المتكلم حين يتكلم يأتي بنسبة اسمها نسبة كلامية، قبل أن يتكلم بها جالت في ذهنه، فقبل أن أقول: زيد مجتهد دارت في ذهني هذه المسألة، وكان في الواقع يوجد شخص اسمه زيد وهو مجتهد فعلا. إذن: عندنا نسبة ذهنية، ونسبة كلامية، ونسبة واقعية، فإن وجدت النسبة الواقعية قبل الذهنية والكلامية، فالكلام هنا خبر يوصف بالصدق أو يوصف بالكذب. إذن: النسبة الواقعية لا تأتي نتيجة النسبة الكلامية، إنما حين تقول: قف فتأتي النسبة الواقعية نتيجة النسبة الكلامية، وما دامت النسبة الواقعية تأخرت عن الكلامية، فلا يوصف القول إذن لا بصدق ولا بكذب. ونعود إلى قول نبي الله شعيب نجده عبارة عن أمرين:

اعبدوا الله وارجوا اليوم الأخر..

[العنكبوت: 36] ونهي واحد:

ولا تعثوا في الأرض مفسدين

[العنكبوت: 36] والأمر والنهي من الإنشاء الذي لا يوصف بالصدق ولا بالكذب، فكيف إذن يكذبونه؟ فأول إشكال: ﴿ فكذبوه.. ﴾ [العنكبوت: 37] ومنشأ هذا الإشكال عدم وجود الملكة العربية التي يفهمون بها كلام الله. فالحق سبحانه قال هنا ﴿ فكذبوه.. ﴾ [العنكبوت: 37] لأنه أمرهم بعبادة الله وهو رسول من عند الله فيأمرهم بعبادته لأن عبادته تعالى واجبة عليهم، وما أمرهم إلا ليؤدوا الواجب عليهم، واليوم الآخر كائن لا محالة فارجوه، والإفساد في الأرض محرم.

إذن: فالمعنى يحمل معنى الخبر، فالأمران هنا، والنهي أمر واجب فكذبوه لعلة الأمرين، ولعلة النهي. ومعنى

اعبدوا الله..

[العنكبوت: 36] خصوه سبحانه بالعبادة، وهي الطاعة في الأمر والانتهاء عن المنهي عنه، وهذه العبادة مطلوبة من الكل، وهي شريعة كل الأنبياء والرسل:

شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينآ إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه..

[الشورى: 13]. إذن: فمسألة العبادة والإيمان باليوم الآخر من القضايا العامة التي لا تختلف فيها الرسالات، أما الشرائع: افعل كذا، ولا تفعل كذا فتختلف من نبي لآخر. ومعنى:

وارجوا اليوم الأخر..

[العنكبوت: 36] أي: اعملوا ما يناسب رجاءكم لليوم الآخر، وأنت لماذا تحب اليوم الآخر، ولماذا ترجوه؟ لا يحبه ولا يرجوه إلا من عمل عملا صالحا فينتظره لينال جزاء عمله وثواب سعيه، وإلا لو كانت الأخرى لقال: وخافوا اليوم الآخر. إذن: الرجاء معناه: اعملوا ما يؤهلكم لأن ترجوا اليوم الآخر، والإنسان لا يرجو إلا النافع له. وهنا لك أن تسأل: هل إذا آمن الإنسان ونفذ أحكام ربه أمرا ونهيا، فجزاؤهم في الآخرة رجاء يرجوه أم حق له؟ المفروض أن يقول للطائعين: ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون، فهي واجبة له ومن حقه، فكيف يسميه القرآن رجاء وهو واقع؟ قالوا: لأن جزاءنا في الجنة فضل من الله، لأنه سبحانه خلقنا وخلق لنا، وأمدنا بالطاقات والنعم قبل أن يكلفنا شيئا، فحين تعبد الله حق العبادة فإنك لا تقضي ثمن جميله عليك، ولا توفيه سبحانه ما يستحق، فإذا أثابك في الآخرة فبمحض فضله وكرمه. لذلك قال سبحانه:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٣٥٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٣٥٠