29.4
هنا أيضا ﴿ حسب.. ﴾ [العنكبوت: 4] أي: ظن الذين يعملون السيئات ﴿ أن يسبقونا.. ﴾ [العنكبوت: 4] أي: يفلتوا من عقابنا، تقول: سبق فلان فلانا يعني: أفلت منه وهو يطارده، فالمعنى أنهم لن يستطيعوا الإفلات من العذاب أو الهرب منه، وإن كانوا يعتقدون ذلك أو يظنونه، فبئس هذا الظن. ﴿ سآء ما يحكمون ﴾ [العنكبوت: 4] أي: قبح حكمهم وبطل، وحين نحكم على ظنهم وعلى حكمهم بالبطلان فإنما نثبت قضيتنا، وهي أنهم لن يفلتوا من عقابنا. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ من كان يرجو لقآء الله فإن... ﴾.
29.5
معنى ﴿ يرجو لقآء الله.. ﴾ [العنكبوت: 5] يعني: يؤمن به وينتظره ويعمل من أجله، يؤمن بأن الله الذي خلقه وأعد له هذا الكون ليحيا حياته الطيبة، وأنه سبحانه بعد ذلك سيعيده ويحاسبه لذلك إن لم يعبده ويطعه شكرا له على ما وهب، فليعبده خوفا منه أن يناله بسوء في الآخرة. وأهل المعرفة يرون فرقا بين من يرجو الثواب ويرجو رحمة الله، ومن يرجو لقاء الله لذات اللقاء، لا خوفا من نار، ولا طمعا في جنة لذلك تقول رابعة العدوية:
كلهم يعبدون من خوف نار
ويرون النجاة حظا جزيلا
أو بأن يسكنوا الجنان فيحظوا
بقصور ويشربوا سلسبيلا
ليس لي بالجنان والنار حظ
أنا لا أبتغي بحبي بديلا
أي: أحبك يا رب، لأنك تحب لذاتك، لا خوفا من نارك، ولا طمعا في جنتك، وهي أيضا القائلة: اللهم إن كنت تعلم أني أحبك طمعا في جنتك فاحرمني منها، وإن كنت تعلم أني أعبدك خوفا من نارك فاحرقني بها. ويقول تعالى في سورة الكهف:
فمن كان يرجوا لقآء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا
[الكهف: 110] ولو كانت الجنة لأن لقاء الله أعظم، وهو الذي يرجى لذاته. والحق سبحانه يؤكد هذه المسألة بأكثر من مؤكد: ﴿ فإن أجل الله لآت.. ﴾ [العنكبوت: 5] فأكده بإن واللام وصيغة اسم الفاعل الدالة على تحقق الفعل، كما قال سبحانه:
كل شيء هالك
[القصص: 88] ولم يقل: سيهلك، وقوله سبحانه مخاطبا نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم:
إنك ميت وإنهم ميتون
[الزمر: 30]. يخاطبهم بهذه الصيغة وهم ما يزالون أحياء لأن الميت: من يؤول أمره وإن طال عمره إلى الموت، أما من مات فعلا فيسمى ميت. وأنت حينما تحكم على شيء مستقبل تقول: يأتي أو سيأتي، وتقول لمن تتوعده: سأفعل بك كذا وكذا، فأنت جازفت وتكلمت بشيء لا تملك عنصرا من عناصره، فلا تضمن مثلا أن تعيش لغد، وإن عشت لا تضمن أن يعيش هو، وإن عاش ربما يتغير فكرك ناحيته، أو فقدت القدرة على تنفيذ ما تكلمت به كأن يصيبك مرض أو يلم بك حدث. لكن حينما يتكلم من يملك أزمة الأمور كلها، ويعلم سبحانه أنه لن يفلت أحد منه، فحين يحكم، فليس للزمن اعتبار في فعله، لذلك لم يقل سبحانه: إن أجل الله سيأتي، بل ﴿ لآت.. ﴾ [العنكبوت: 5] على وجه التحقيق. وسبق أن ذكرنا في هذا الصدد قوله تعالى عن القيامة:
أتى أمر الله فلا تستعجلوه..
[النحل: 1] وقد وقف السطحيون أمام هذه الآية يقولون: وهل يستجعل الإنسان إلا ما لم يأت بعد؟ لأنهم لا يفهمون مراد الله، وليست لديهم ملكة العربية، فالله تعالى يحكم على المستقبل، وكأنه ماض أي محقق لأنه تعالى لا يمنعه عن مراده مانع، ولا يحول دونه حائل.
ولفظ الأجل جاء في القرآن في مواضع كثيرة، منها:
ولكل أمة أجل فإذا جآء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون
[الأعراف: 34] وفي الآية التي معنا: ﴿ فإن أجل الله لآت.. ﴾ [العنكبوت: 5]. والأجلان مختلفان بالنسبة للحضور الحياتي للإنسان، فالأجل الأول ينهي الحياة الدنيا، والأجل الآخر يعيد الحياة في الآخرة للقاء الله عز وجل، إذن: فالأجلان مرتبطان. والحق - سبحانه وتعالى - حينما يعرض لنا قضية غيبية يؤنسنا فيها بشيء حسي معلوم لنا، حتى يستطيع العقل أن ينفذ من الحسي إلى الغيبي غير المشاهد. وأنت ترى أن أعمار بني آدم في هذه الحياة تتفاوت: فواحد تغيض به الأرحام، فلا يخرج للحياة، وواحد يتنفس زفيرا واحدا ويموت.. إلخ. وفي كل لحظة من لحظات الزمن نعاين الموت، من يموت بعد نفس واحد، ومن يموت بعد المائة عام. إذن: فلا رتابة في انقضاء الأجل، لا في سن ولا في سبب: فهذا يموت بالمرض، وهذا بالغرق، وهذا يموت على فراشه. لذلك يقول الشاعر: