تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

29.7

يذكر لنا - سبحانه وتعالى - النتائج ﴿ والذين آمنوا.. ﴾ [العنكبوت: 7] أي: بالله ربا، له كل صفات الكمال المطلق، وله طلاقة القدرة، وله طلاقة الإرادة، وهو المهيمن، وهو الحاكم.. إلخ. ثم ﴿ وعملوا الصالحات.. ﴾ [العنكبوت: 7] لأن العمل الصالح نتيجة للإيمان، وثمرة من ثمراته، والصالح: هو الشيء يظل على طريقة الحسن فيه فلا يتغير، فقد أقبلت على عالم خلقه الله لك على هيئة الصلاح فلا تفسده، وهذا أضعف الإيمان أن تبقي الصالح على صلاحه، فإن أردت الارتقاء، فزده صلاحا. يقول تعالى:

وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون

[البقرة: 11]. فقد أعد الله لنا الأرض صالحة بكل نواميسها وقوانينها، ألا ترى المناطق التي لا ينزل بها المطر يعوضها الله عنه بالمياه الجوفية في باطن الأرض، فماء المطر الزائد يسلكه الله ينابيع في الأرض، ويجعله مخزونا لوقت الحاجة إليه، وتخزين الماء العذب في باطن الأرض حتى لا تبخره الشمس، يقول تعالى:

قل أرأيتم إن أصبح مآؤكم غورا فمن يأتيكم بمآء معين

[الملك: 30]. وضربنا مثلا لترك الصالح على صلاحه ببئر الماء الذي يشرب منه أهل الصحراء، فقد نرمي فيه القاذورات التي تفسد ماءه، وقد نرى من يهيل فيه التراب فيطمسه، وهذا كله من إفساد الصالح، وربما يأتي من يبني حوله سورا يحميه، أو يجعل عليه آلة رفع ترفع الماء وتريح الناس الذين يردونه، فإذا لم تكن من هؤلاء فلا أقل من أن تدعه على حاله. فالصالح إذن: كل عمل وفكر يزيد صلاح المجتمع في حركات الحياة كلها، وإياك أن تقول إن هناك عملا أشرف من عمل، فكل عمل مهما رأيته هينا - ما دام يؤدي خدمة للمجتمع، ويقدم الخير للناس فهو عمل شريف، فقيمة الأعمال هي قيمة العامل الذي يحسنها وينفع الناس بها، يعني: ليس هناك عمل أفضل من عمل، إنما هناك عامل أفضل من عامل لذلك يقولون: قيمة كل امرىء ما يحسنه. وسبق أن ضربت لذلك مثلا، وما أزال أضربه، مع أنه من أناس غير مسلمين: كان نقيب العمال في فرنسا يطالب بحقوق العمال ويدافع عنهم ويوفر لهم المزايا، فلما تولى الوزارة قالوا له: أعطنا الآن الحقوق التي كنت تطالب بها لنا، وربما كان يطالب لعماله بما تضيق به إمكانات وميزانيات الوزارة، أما الآن فقد أصبح هو وزيرا، وفي إحدى المرات تطاول عليه أحد العمال وقال: لا تنس أنك كنت في يوم من الأيام ماسح أحذية، فقال: نعم، لكنني كنت أتقنها. ثم يذكر الحق سبحانه جزاء الإيمان والعمل الصالح: ﴿ لنكفرن عنهم سيئاتهم.. ﴾ [العنكبوت: 7] وهنا تتجلى العظمة الإلهية، حيث بدأ بتكفير السيئات وقدمها على إعطاء الحسنات.

لأن التخلية قبل التحلية، والقاعدة تقول: إن درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة، فهب أن واحدا يريد أن يرميك مثلا بحجر، وآخر يريد أن يرمي لك تفاحة، فأيهما تستقبل أولا؟ لا شك أنك ستدفع أذى الحجر عن نفسك أولا. والخالق - عز وجل - يعلم طبيعة عباده وما يحدث منهم من غفلة وانصراف عن المنهج يوقعهم في المعصية، وما دام أن الشرع يعرف لنا الجرائم ويقنن العقوبة عليها، فهذا إذن منه بأنها ستحدث. لذلك يقول تعالى لعباده: اطمئنوا، فسوف أطهركم من هذه الذنوب أولا قبل أن أعطيكم الحسنات، ذلك لأن الإنسان بطبعه أميل إلى السيئة منه إلى الحسنة، فيقول سبحانه: ﴿ لنكفرن عنهم سيئاتهم.. ﴾ [العنكبوت: 7]. بل وأكثر من ذلك، ففي آية أخرى يقول سبحانه:

إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما

[الفرقان: 70] فأي كرم بعد أن يبدل الله السيئة حسنة، فلا يقف الأمر عند مجرد تكفيرها، فكأنه أوكازيون للمغفرة، ما عليك إلا أن تغتنمه. وفي موضع آخر يقول سبحانه:

إن الحسنات يذهبن السيئات..

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٣٢٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٣٢٢