تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

29.23

فإن أصر الكافر على كفره وعبادته للأصنام التي لا تنفع ولا تضر، ولم تجد معه موعظة ولا تذكير فلا ملجأ له ولا منفذ له إلى رحمة الله لأنه عبد أولياء لا ينفعونه بشيء وكفر بي، فليس له من يحميه مني، ولا من ينصره من الأصنام التي عبدها، فليس له إلا اليأس. واليأس: قطع الرجاء من الأمر، وقد قطع رجاء الكافرين لأنهم عبدوا ما لا ينفع ولا يضر، وكفروا بمن بيده النفع، وبيده الضر. وقلنا: إن المراد بآيات الله إما الآيات الكونية التي تثبت قدرة الله، وتلفت إلى حكمة الخالق - عز وجل - كالليل والنهار والشمس والقمر، أو آيات المعجزات التي تصاحب الرسل ليؤيدهم الله بها ويظهر صدقهم في البلاغ عن الله فكفروا بآيات القرآن الحاملة للأحكام. وقد كفر هؤلاء بكل هذه الآيات، فلم يصدقوا منها شيئا، وما داموا قد كفروا بهذه الآيات، وكفروا أيضا بلقاء الله في الآخرة فرحمة الله بعيدة عنهم، وهم يائسون منها. لذلك كانت عاقبتهم ﴿ وأولئك لهم عذاب أليم ﴾ [العنكبوت: 23] ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ فما كان جواب قومه إلا أن... ﴾.

29.24

كنا ننتظر منهم جوابا منطقيا، بعد أن دعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وبين لهم بطلان عبادة آلهتهم، وأنها لا تضر ولا تنفع، كان عليهم أن يجادلوه، وأن يدافعوا عن آلهتهم، وأن يظهروا حجتهم في عبادتهم. إنما يأتي جوابهم دالا على إفلاسهم ﴿ فما كان جواب قومه إلا أن قالوا اقتلوه أو حرقوه.. ﴾ [العنكبوت: 24] أهذا جواب على ما قيل لكم؟ إنه مجرد هروب من المواجهة، وإفلاس في الحجة، إنه جواب من لم يجد جوابا، وليس لديه إلا التهديد والتلويح بالقوة وبالبطش، فهذه لغة من لا حجة عنده. لكن، لماذا سماه القرآن جوابا؟ قالوا: لأنهم لو لم يتكلموا بهذا الكلام لقيل عنهم أنهم لم يلتفتوا إلى كلام نبيهم ولم يأبهوا به، وأن كلامه لا وزن له، ولا يرد عليه، فإن كان كلامهم لا يعد جوابا فهو في صورة الجواب، وإن كان جوابا فاسدا. وقولهم: ﴿ اقتلوه.. ﴾ [العنكبوت: 24] نعلم أن القتل هو هدم البنية هدما يتبعه خروج الروح لأنها لا تجد بنية سليمة تسكنها، أما الموت فتخرج الروح أولا، ثم تهدم البنية حين تتحلل في التراب، إذن: فهما سواء في أنهما هلاك. وسبق أن أوضحنا هذه المسألة بلمبة الكهرباء التي تضيء، فالكهرباء لا توجد في اللمبة، إنما في شيء خارج عنها، لكن يظهر أثر الكهرباء في اللمبة إن كانت سليمة صالحة لاستقبال التيار، فإن كسرتها فلا تجد فيها أثرا للكهرباء ولا تضيء، وقد تمنع عنها الكهرباء وهي سليمة. ثم قالوا ﴿ أو حرقوه.. ﴾ [العنكبوت: 24] وهل التحريق بعد القتل يعد ارتقاء في العقوبة؟ لا شك أن القتل أبلغ من التحريق، فقد يحرق شخص، وتتم نجدته وإسعافه فلا يموت، فالقتل تأكيد للموت، أما التحريق فلا يعني بالضرورة الموت، فلماذا لم يقولوا فقط اقتلوه وتنتهي المسألة، أو يصعدوا العقوبة فيقولوا: حرقوه أو اقتلوه؟ إنهم بدأوا بأقصى ما عندهم من عقوبة لشدة حنقهم عليه فقالوا ﴿ اقتلوه.. ﴾ [العنكبوت: 24] ثم تراءى لهم رأي آخر: ولماذا لا نحرقه بالنار، فربما يعود ويرجع عن دعوته حينما يجد ألم التحريق، وهذا يعد كسبا لهم، وتحسب الجولة لصالحهم. لكن من الذي قال ﴿ اقتلوه.. ﴾ [العنكبوت: 24]؟ من الآمر بالقتل، ومن المأمور؟ لقد اتفقوا جميعا على قتله، فالآمر والمأمور سواء، وهذا واضح من الآية: ﴿ فما كان جواب قومه.. ﴾ [العنكبوت: 24] فالقوم جميعا تواطئوا على هذه المسألة. أو أن الآمر هم رؤساء القوم وكبارهم الذين يأتمر الناس بأمرهم، أما التنفيذ فمهمة الأتباع. ونحن نرى ثورة الجمهور وانفعاله حينما تقع جريمة مثلا، فالكل يغضب ويقول: اقتلوه، اسجنوه، فكلهم قائل، وكلهم مقول له.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٣٣٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٣٣٧