تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

29.66

واللام في ﴿ ليكفروا.. ﴾ [العنكبوت: 66] ليست لام التعليل لأن الكفر لم يكن مقصدا لهم، وحين عادوا بعد أن نجاهم الله إنما عادوا إلى أصلهم، فاللام هنا لام الأمر كما لو قلت: قم يا زيد وليقم عمرو، وعلامة لام الأمر أن تكون ساكنة، وهي هنا مكسورة لأنها في بداية الكلام، حيث لا يبدأ بساكن، ولو وضعنا قبلها حرفا لتبين سكونها. ومثالها في قوله تعالى:

وليطوفوا بالبيت العتيق

[الحج: 29]. وقوله سبحانه:

لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق ممآ آتاه الله..

[الطلاق: 7]. والدليل على أنها لام الأمر سكون اللام بعدها في قراءة من سكنها، وفي ﴿ وليتمتعوا.. ﴾ [العنكبوت: 66] وقوله سبحانه: ﴿ فسوف يعلمون ﴾ [العنكبوت: 66] فرق في الاستقبال بين السين وسوف، فلو قال: فسيعلمون لدلت على التهديد في المستقبل القريب، وأنه سيحل بهم العذاب في الدنيا، أما " سوف " فتدل على المستقبل البعيد، فتشمل التهديد في الدنيا وفي الآخرة فهي تستغرق الزمن كله لأن المسلمين في بادىء الأمر كانوا مستضعفين، لا يستطيعون حماية أنفسهم، وذهبوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم يطلبون منه أن يستنصر الله لهم فلو قال حينئذ في تهديد الكفار " فسيعلمون " لم تكن مناسبة، إنما أعطى الأمد الأوسع للتهديد، فقال: ﴿ فسوف يعلمون ﴾ [العنكبوت: 66]. لذلك تجد الدقة في أخذ العهد من الأنصار للرسول صلى الله عليه وسلم، ومن الرسول للأنصار، فلما قابلوا رسول الله قالوا: خذ لنفسك. قال: تحمونني مما تحمون منه أنفسكم وأعراضكم وأموالكم. فقالوا: فما لنا إن فعلنا؟ كان من الممكن أن يقول لهم: ستملكون الأرض أو ستنتشر دعوة الله بكم وتنتصرون على عدوكم، لكن هذه الوعود قد يراها بعضهم، ويموت بعضهم قبل أن تتحقق، فلا يرى منها شيئا لذلك ذكر لهم جزاء يستوي فيه الجميع من يعيش منهم، ومن يموت، فقال: " لكم الجنة ". وأيضا حين يصرفهم عن دنيا الناس إلى أمر يكون في الدنيا أيضا، فهي صفقة خاسرة، إنما أراد أن يصرفهم عن دنيا الناس إلى شيء أعظم مما في دنيا الناس، وليس هناك أعظم من دنيا الناس إلا الجنة. والصحابي الذي أخبره النبي صلى الله عليه وسلم بأن الجنة جزاء الشهيد، وكان يمضغ تمرة في فمه فقال: يا رسول الله، أليس بيني وبين الجنة إلا أن أقتل في سبيل الله؟ قال: بلى، فألقى التمرات وبادر إلى ساحة القتال يستعجل هذا الجزاء. إذن: فسوف صالحة للزمن المستقبل كله، أما السين فللقريب لذلك يستخدمها القرآن في مسائل الدنيا، كما في قوله تعالى:

سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم..

[فصلت: 53]. وهذه الرؤية ممتدة من زمن رسول الله، وإلى أن تقوم الساعة، فكل يوم يجد في ظواهر الكون أمور تدل على قدرة الله تعالى، فمستقبل أسرار الله في كونه لا تنتهي أبدا إلا بالسر الأعظم في الآخرة، ففي زمن رسول الله قال

سنريهم..

[فصلت: 53] وستظل كذلك

سنريهم..

[فصلت: 53] إلى أن تقوم الساعة. ونلحظ أن المصاحف ما زال في رسمها كلام حتى الآن، فهنا ﴿ وليتمتعوا.. ﴾ [العنكبوت: 66] تجد تحت اللام كسرة، مع أنها ساكنة، وهذا يعني أن كتاب الله غالب، وليس هناك محص له. وأذكر أن سيدنا الشيخ عبد الباقي رضي الله عنه وجزاه الله عما قدم للإسلام خير الجزاء - أعد المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم وحاول أن يحصي ألفاظه لا سيما لفظ الجلالة الله الذي من أجله أعد هذا الكتاب، ومع ذلك نسي لفظ الجلالة في البسملة، وبدأ من

الحمد لله رب العالمين

[الفاتحة: 2] لذلك نقص العدد عنده واحدا. وما ذلك إلا لأن كتاب الله أعظم وأكبر من أن يحاط به. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ أولم يروا أنا جعلنا حرما... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٣٩٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٣٩٤