تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

29.65

ينقلنا السياق هنا من الكلام عن حقيقة كل من الدنيا والآخرة إلى الحديث عن الفلك، فما العلاقة بينهما؟ المتكلم هنا هو الله تعالى، وواضع كل شيء في موضعه، ولا يغيب عنك أنه لا بد أن تتدبر كلام الله لتفهم مراده، فالله لا يريدنا مقبلين على ظاهر القرآن فحسب، إنما أن نتعمق في فهمه وتأمله، وننظر في معطياته الحقيقية:

أفلا يتدبرون القرآن...

[النساء: 82]. والعلاقة هنا أن الآية السابقة جاءت لتقرر أن الدنيا دار لهو ولعب لا فائدة منها إذا ما بعدت عن منهج الله، ولم تحسب حسابا لحياة أخرى هي الحياة الحقيقية وهي الحيوان، فكان على العاقل أن يحرص على الآخرة، وأن يعمل لها باتباع منهج الله في الدنيا. إذن: فالدنيا ليست غاية، بل هي وسيلة، وأنت أيها الذي أعرضت عن منهج ربك جعلت الدنيا غايتك، والدنيا إن كانت هي الغاية فما أتفهها من غاية، إنما اجعلها وسيلة للآخرة ومزرعة لدار الحيوان. وكذلك الحال في الفلك، فهي وسيلة توصلك إلى هدف، وإلى غاية، وليست هي غاية في حد ذاتها. ﴿ فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين.. ﴾ [العنكبوت: 65] والفلك: السفينة، وتطلق على المفرد وعلى الجمع، فيقول تعالى:

ويصنع الفلك..

[هود: 38] وقوله

دعوا الله مخلصين له الدين..

[يونس: 22] واضح من السياق أنها ليست دعوة الحمد، كأن يقولوا مثلا

سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين

[الزخرف: 13] بل هي دعوة الاضطرار بعد أن تعرضوا لشدة وعطب لا تنجيهم منها أسبابهم، بدليل قوله تعالى بعدها: ﴿ فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون ﴾ [العنكبوت: 65]. فهذه تعطينا أنهم ركبوا في السفينة، فلما تعرضوا للعطب، وضاقت بهم أسبابهم دعوا الله مخلصين له الدين. وفي لقطة أخرى يقول القرآن:

حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جآءتها ريح عاصف وجآءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين

[يونس: 22]. فمعنى

أحيط بهم..

[يونس: 22] أي: لا يوجد لهم مفر ولا مهرب ولا مفزع يفزعون إليه إلا أن يتوجهوا إلى الله بدعاء خالص ويقين إيمان في أنهم لا ملجأ لهم إلا الله، وقد كانوا في أول الرحلة فرحين بمركبهم مسرورين به، وساعتها لم يكن الله في بالهم، إنما لما ضاقت بهم الحيل عادوا إلى الحق، فالوقت لا يحتمل المراوغة. لأن الإنسان عادة لا يخدع نفسه، فحتى الكافر حين تضيق به أسباب النجاة يلجأ بالفطرة إلى الله الحق، وينسى آلهته ومعبوداته من دون الله لأنه لا يسلم نفسه أبدا، ولا يتمادى حينئذ في كذبة الآلهة والأصنام.

لذلك: ﴿ دعوا الله مخلصين له الدين.. ﴾ [العنكبوت: 65] دعوة خالصة بيقين ثابت في الإله الحق، دعوة لا تشوبها شائبة شرك، لا ظاهر ولا خفي، فلا ينفع في هذا الوقت إلا الله المعبود بحق. وسبق أن أوضحنا هذه المسألة بمثل من حياتنا الواقعية، قلنا: إن حلاق الصحة كان يقوم بدور الطبيب في القرية، وله بين الناس نفس مكانة الطبيب في وقت لم يكن هناك أطباء، فلما خرجت كلية الطب أطباء وانتشروا في القرى كان الحلاق أول المهاجمين للطبيب لأنه يزاحمه في رزقه، ويصرف الناس عنه لذلك كان يذم في الطبيب ويشكك في خبرته وقدراته. لكن لما مرض ابنه، وارتفعت درجة حرارته، وخاف عليه قال لزوجته: انتظري إلى ظلام الليل لأذهب به إلى الطبيب - يعني: في غفلة الناس. فالإنسان بطبعه لا يخدع نفسه، ولا يسلمها إذا جد الجد، وفيه فطرة إيمانية إذا ما صفيتها في الذات البشرية لا تجد في النهاية إلا قوة واحدة هي قوة الله. حتى الملاحدة حين تضيق بهم الأسباب يقولون: يا رب، يا الله. يقولونها من تلقاء أنفسهم، دون مرور بالعقل الذي أنكروا به وجود الله. وهذا يعني أن الفطرة الإيمانية قد تحجبها الأغيار البشرية وتلغيها، فإذا ما نامت الأغيار البشرية وتلاشت لحدث من الأحداث ظهرت الفطرة الإيمانية على السطح تلهمك بلا شعور. لذلك نلحظ في قوله سبحانه:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٣٩١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٣٩١