تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

29.34

الرجز: العذاب ينزل عليهم من السماء، والحجارة التي يمطرهم الله بها ﴿ بما كانوا يفسقون ﴾ [العنكبوت: 34] أي: بسبب فسقهم وخروجهم عن منهج الله.

29.35

لأن هذا العذاب استأصلهم، وقضى عليهم، وجعلهم عبرة لكل عاقل متأمل وآية في الكون لكل عابر بها، كما قال سبحانه:

وإنكم لتمرون عليهم مصبحين

[الصافات: 137] إذن: فالعبرة باقية بأهل سدوم كلما مر الناس بقراهم. لذلك قال الله عنها ﴿ آية بينة.. ﴾ [العنكبوت: 35] الآية: الشيء العجيب الذي يدعو للتأمل ﴿ بينة.. ﴾ [العنكبوت: 35] واضحة كدليل باق، وظاهر لا يخفى على أحد ﴿ لقوم يعقلون ﴾ [العنكبوت: 35] يعني: يبحثون ويتأملون بسبب ما حاق بهذه القرى، وما نزل بها من عذاب الله. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ وإلى مدين أخاهم... ﴾.

29.36

مدين: اسم من أسماء أولاد إبراهيم عليه السلام، وسميت باسمه القبيلة لأنهم كانوا عادة ما يسمون القوم باسم أبرز أشخاصها، فانتقل الاسم من الشخص إلى القبيلة، ثم إلى المكان، بدليل قوله تعالى في موضع آخر:

ولما ورد مآء مدين..

[القصص: 23] فصارت مدين علما على البقعة، وقالوا: إنها من الطور إلى الفرات. هذه برقية موجزة لقصة مدين وأخيهم شعيب، وقد ذكرت أيضا في قصة موسى عليه السلام. وقال ﴿ أخاهم.. ﴾ [العنكبوت: 36] ليدلك أن الله تعالى حين يصطفي للرسالة يصطفي من له ود بالقوم، ولهم معرفة به وبأخلاقه وسيرته، ولهم به تجربة سابقة، فهو عندهم مصلح غير مفسد، حتى إذا ما بلغهم عن الله صدقوه، وكانت له مقدمات تيسر له سبيل الهداية. وقوله: ﴿ فقال يقوم اعبدوا الله.. ﴾ [العنكبوت:36] كلمة ﴿ يقوم.. ﴾ [العنكبوت: 36]: القوم لا تقال إلا للرجال لأنهم هم الذين يقومون لمهمات الأمور، ويتحملون المشاق لذلك يقول تعالى:

يأيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نسآء من نسآء عسى أن يكن خيرا منهن..

[الحجرات: 11] فأطلق القوم، وهم الرجال في مقابل النساء. والعبادة: قلنا: طاعة الأمر والنهي ﴿ اعبدوا الله.. ﴾ [العنكبوت: 36] أطيعوه فيما أمر، وانتهوا عما نهى عنه ما دمتم قد آمنتم به إلها خالقا، فلا بد أن تسمعوا كلامه فيما ينصحكم به من توجيه بافعل ولا تفعل. وتعلم أنه سبحانه بصفات الكمال أوجدك وأوجد لك الأشياء، فأنت بعبادتك له لا تضيف إليه صفة جديدة، فهو إله قبل أن توجد أنت، وخالق بكامل القدرة قبل أن توجد، وخلق لك الكون قبل أن توجد. ثم بعد ذلك تعصاه وتكفر به، فلا يحرمك خيره، ولا يمنع عنك نعمه. إذن: فهو سبحانه يستحق منك العبادة والطاعة لأن طاعته تعود عليك أنت بالخير. لذلك سبق أن قلنا إن كلمة العبودية كلمة مذمومة تشمئز منها النفس، إن كانت عبودية للبشر لأن عبودية البشر للبشر يأخذ فيها السيد خير عبده، لكن عبودية البشر لله تعالى يأخذ العبد خير سيده، فالعبودية لله عز وقوة ومنعة وللبشر ذل وهوان لذلك نرى كل المصلحين يحاربون العبودية للبشر، ويدعون العبيد إلى التحرر. فأول شيء أمر به شعيب قومه ﴿ اعبدوا الله.. ﴾ [العنكبوت: 36] كذلك قال إبراهيم لقومه

اعبدوا الله واتقوه..

[العنكبوت: 16]، لكن لوطا عليه السلام لم يأمر قومه بعبادة الله، إنما اهتم بمسألة الفاحشة التي استشرت فيهم، مع أن كل الرسل جاءوا للأمر بعبادة الله. ونقول في هذه المسألة: لم يأمر لوط قومه بعبادة الله لأنه كان من شيعة إبراهيم عليه السلام ومؤمنا بديانته، بدليل قوله تعالى:

فآمن له لوط..

[العنكبوت: 26] فهو تابع له لذلك ينفذ التعاليم التي جاء بها إبراهيم، فلم يأمر بالعبادة لأن إبراهيم أمر القوم بها، لكنه تحمل مسألة أخرى، وخصه الله بمهمة جديدة، هي إخراج قومه من ممارسة الفاحشة التي انتشرت بينهم. وقوله تعالى: ﴿ وارجوا اليوم الأخر.. ﴾ [العنكبوت: 36] فلا بد أن اليوم الآخر لم يكن في بالهم، ولم يحسبوا له حسابا، كأنهم سيفلتون من الله، ولن يرجعوا إليه لذلك يذكرهم بهذا اليوم، ويحثهم على العمل من أجله. وكيف لا نعمل حسابا لليوم الآخر؟ ونحن في الدنيا نعامل أنفسنا بنفس منطق اليوم الآخر؟ فأنت مثلا تتعب وتشقى في زراعة الأرض، وتتحمل مشاق الحرث والبذر والسقي.. إلخ طوال العام، لكن حين تجمع زرعك يوم الحصاد، ويوم تملأ به مخازنك تنسى أيام التعب والمشقة، وساعتها يندم الكسول الذي قعد عن العمل والسعي، يوم الحصاد سترى أن أردب القمح الذي أخذته من المخزن وظننت أنه نقص من حسابك قد عاد إليك عشرة أرادب، فأخذك لم يقلل إنما زاد. وكذلك اليوم الآخر نفهمه بهذا المنطق، فنتحمل مشاق العبادة والطاعات في الدنيا لننال النعيم الباقي في الآخرة لأن نعيم الدنيا مهما كان، ينغصه عليك أمران: إما أن تفوته أنت بالموت، أو يفوتك هو بالفقر. أما في الآخرة فلا يفوتك نعيمها ولا تفوته. إذن: فالأولى بك أن تزرع للآخرة، وأن تعمل لها ألف حساب، فإن كان في العبادة مشقة، وللإيمان تبعات، فانظروا إلى عظم الجزاء، وإذا استحضرت الثواب على الطاعة هانت عليك مشقة الطاعة، وإذا استفظعت العقاب على المعصية، زهدت فيها ونأيت عنها. إذن: الذي يجعل الإنسان يتمادى في المعصية أنه لا يستحضر العقاب عليها، ويزهد في الطاعة لأنه لا يستحضر ثوابها. لذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٣٤٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٣٤٨