29.54
أي: قل لهم إن كنتم تستعجلون العذاب فهو آت لا محالة، وإن كنتم في شوق إليه فجهنم في انتظاركم، بل ستمتلئ منكم وتقول: هل من مزيد؟ والعذاب يتناسب وقدرة المعذب قوة وضعفا، وإحاطة وشمولا، فإذا كان المعذب هو الله - عز وجل - فعذابه لا يعذبه أحد من العالمين. ومعنى ﴿ لمحيطة بالكافرين ﴾ [العنكبوت: 54] الإحاطة أن تشمل الشيء من جميع جهاته، فالجهات أربع: شمال وجنوب وشرق وغرب، وبين الجهات الأصلية جهات فرعية، وبين الجهات الفرعية أيضا جهات فرعية، والإحاطة هي التي تشمل كل هذه الجهات. ومن ذلك قوله تعالى:
إنا أعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها..
[الكهف: 29] يعني: من كل جهاتهم. ومن عجيب أمر النار في الآخرة أن النار في الدنيا يمكن أن تعذب شخصا بنار تحوطه لا يستطيع أن يفلت منها، لكن النار بطبيعتها تعلو لأن اللهب يتجه إلى أعلى، أما إن كانت تحت قدمك فيمكنك أن تدوسها بقدمك، كما تطفئ مثلا عقب السيجارة، فحين تدوسه تمنع عنه الأكسوجين، فتنطفئ النار فيه، أما في نار الآخرة فتأتيهم من كل جهاتهم: ﴿ يوم يغشاهم العذاب... ﴾.
29.55
وفي موضع آخر يقول سبحانه:
لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل
[الزمر: 16]. وهاتان الجهتان لا تأتي منهما النار في الدنيا لأن النار بطبيعتها تصعد إلى أعلى، وإن كانت تحت القدم تنطفىء. إذن: هذا ترق في العذاب، حيث لا يقتصر على الإحاطة من جميع جهاته، إنما يأتيهم أيضا من فوقهم ومن تحتهم. لكن قد يتجلد المعذب للعذاب، ويتماسك حتى لا تشمت فيه، وهذا يأتيه عذاب من نوع آخر، عذاب يهينه ويذله، ويقال له:
ذق إنك أنت العزيز الكريم
[الدخان: 49] لذلك وصف العذاب، بأنه: مهين، وأليم، وعظيم، وشديد. وقوله تعالى ﴿ ويقول ذوقوا ما كنتم تعملون ﴾ [العنكبوت: 55] لم يقل: ذوقوا النار، إنما ذوقوا ما عملتم، كأن العمل نفسه سيكون هو النار التي تحرقهم. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ يعبادي الذين... ﴾.