تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والحق - سبحانه وتعالى - يعطينا مثلا للحق وللباطل في قوله تعالى:

أنزل من السمآء مآء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما يوقدون عليه في النار ابتغآء حلية أو متاع زبد مثله كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفآء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال

[الرعد: 17]. فالزبد: هو القش والفتات الذي يحمله الماء، فيكون طبقة على سطح الماء، ثم يزيحه الهواء إلى الجوانب، ويظل الماء بعده صافيا، فالزبد مثل للباطل لأنه يعلو على سطح الماء، لكن إياك أن تظن أنه ذو شأن، أو أن علوه سيدوم لأنه غثاء لا قيمة له، وسرعان ما يزول ويبقى الماء النافع، وكما يتكون الزبد على سطح الماء كذلك يتكون عند صهر المعادن، فحين يصهر الصائغ مثلا الذهب أو الفضة يخرج المعدن الأصيل تاركا على الوجه الخبث الذي خالطه. لذلك يقول بعض العارفين: إن الله تعالى لا يترك الحق، ولا يسلمه أبدا للباطل، إنما يتركه لحين ليبلو غيرة الناس عليه، فإذا لم يغاروا على الحق غار هو سبحانه عليه. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ ومن أظلم ممن افترى على الله... ﴾.

29.68

هذا استفهام يريد منه الحق - سبحانه وتعالى - قضية يقرها المقابل، فلم يوردها بصيغة الخبر: لا أظلم لأن الخبر في ذاته يحتمل الصدق أو الكذب، فجاء بصيغة الاستفهام لتنطق أنت بالقضية، كما تقول لمن ينكر معروفك: من أعطاك هذا الثوب؟ فلا يملك إلا أن يعترف بفضلك، لكن إن قلت له إخبارا: أنا أعطيتك هذا الثوب، فالخبر يحتمل الصدق ويحتمل الكذب، وربما ينكر فيقول: لا لم تعطني شيئا. إذن: إيراد الكلام بأسلوب الاستفهام أقوى في تقرير واقع من أسلوب الخبر لأن الخبر يأتي من المتكلم، أما الإقرار فمن السامع، وأنت لا تلقي بالاستفهام إلا وأنت واثق أن الجواب سيأتي على وفق ما تريد. فمعنى ﴿ ومن أظلم.. ﴾ [العنكبوت: 68] لا أحد أظلم، والظلم: نقل الحق من صاحبه إلى غيره، والظلم قد يكون كبيرا وعظيما، وهو الظلم في القمة في العقيدة، كما قال سبحانه:

إن الشرك لظلم عظيم

[لقمان: 13]. وقد يكون الظلم بسيطا هينا، فالذي افترى على الله الكذب، لا أحد أظلم منه لأنه لو افترى على مثله لكان أمره هينا، لكنه افترى على من؟ على الله، فكان ظلمه عظيما، ومن الحمق أن تفتري على الله لأنه سبحانه أقوى منك يستطيع أن يدلل، وأن يبرهن على كذبك، ويستطيع أن يدحرك، وأن يوقفك عند حدك، فمن اجترأ على هذا النوع من الظلم فإنما ظلم نفسه. وقلنا: إن الافتراء كذب، لكنه متعمد لأن الإنسان قد يكذب حين يخبر على مقتضى علمه، إنما الواقع خلاف ما يعلم، لذلك عرف العلماء الصدق والكذب فقالوا: الصدق أن يطابق الكلام الواقع، والكذب أن يخالف الكلام الواقع، فلو قلت خبرا على مقتضى علمي، ولم أقصد مخالفة الواقع، فإن خالف كلامي الواقع فالخبر كاذب، لكن المخبر ليس بكاذب. وقوله سبحانه: ﴿ أو كذب بالحق لما جآءه.. ﴾ [العنكبوت: 68] فيا ليته افترى على الله كذبا ابتداء، إنما صعد كذبه إلى مرحلة أخرى فعمد إلى أمر صدق وحق فكذبه، ثم يقرر جزاء هذا التكذيب بأسلوب الاستفهام أيضا ﴿ أليس في جهنم مثوى للكافرين ﴾ [العنكبوت: 68] يعني: أضاقت عنهم النار، فليس بها أمكنة لهؤلاء؟ بلى بها أمكنة لهم، بدليل أنها ستقول وهي تتشوق إليهم حين تسأل:

هل امتلأت وتقول هل من مزيد

[ق: 30]. وكأن الحق سبحانه يقول: لماذا يفتري هؤلاء على الله الكذب؟ ولماذا يكذبون الحق؟ اعلموا أن جهنم ليس بها أماكن لهم؟ فالاستفهام في ﴿ أليس في جهنم مثوى للكافرين ﴾ [العنكبوت: 68] استفهام إنكاري ينكر أن يظن المكذبون الكافرون أنه لا مكان لهم في جهنم. فالحق سبحانه في إرادته أزلا أن يخلق الخلق من لدن آدم - عليه السلام - وإلى أن تقوم الساعة، وأن يعطيهم الاختيار

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٣٩٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٣٩٧