تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يأيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون

[الصف: 2] فكل فعل ناشىء عن انصياع لقول أو سماع لقول لذلك ختم سبحانه هذه الآية بقوله: ﴿ وهو السميع العليم ﴾ [العنكبوت: 5].

29.6

وكلمة ﴿ جاهد.. ﴾ [العنكبوت: 6] تناسب النجاح في الابتلاء، والجهاد: بذل الجهد في إنفاذ المراد، ومنه اجتهد فلان في كذا يعني: عمل أقصى ما في وسعه من الجد والاجتهاد في أن يستنبط الحكم. والجهاد له مجالان: مجال في النفس يجاهدها ليقوى بمجاهدة نفسه على مجاهدة عدوه. وجاهد: مفاعلة، كأن الشيء الذي تريده صعب، يحتاج إلى جهد منك ومحاولة، والمفاعلة تكون من الجانبين: منك ومن الشيء الذي يقابلك، وأول ميادين الجهاد النفس البشرية لأن ربك خلق فيك غرائز وعواطف لمهمة تؤديها، ثم يأتي منهج السماء ليكبح هذه الغرائز ويرقيها، حتى لا تنطق معها إلى ما لا يباح. فحب الاستطلاع مثلا غريزة محمودة في البحث العلمي والاكتشافات النافعة، أما إن تحول إلى تجسس وتتبع لعورات الناس فهو حرام الأكل والشرب غريزة لتقتات به، وتتولد عندك القدرة على العمل، فإن تحول إلى نهم وشراهة فقد خرجت بالغريزة عن مرادها والهدف منها. وعجيب أمر الناس في تناول الطعام، فالسيارة مثلا لا نعطيها خليطا من الوقود، إنما هو نوع واحد، أما الإنسان فلا تكفيه عدة أصناف، كل منها لها تفاعل في الجسم، حينما تتجمع هذه التفاعلات تضر أكثر مما تنفع. إذن: هذه الغرائز تحتاج منك إلى مجاهدة لتظل في حد الاعتدال، عملا بالأثر: " نحن قوم لا نأكل حتى نجوع، وإذا أكلنا لا نشبع، ولا نشرب حتى نظمأ، وإذا شربنا لا نقنع ". ولو عملنا بهذا الحديث لقضينا على القنبلة الذرية للاقتصاد في بلادنا، وكم تحلو لك اللقمة بعد الجوع مهما كانت بسيطة وغير مكلفة لذلك يقولون: نعم الإدام الجوع، ثم إذا أكلت لا تملأ المعدة، ودع كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه ".

وبهذا المنهج الغذائي الحكيم نضمن بنية سليمة وعافية لا يخالطها مرض. فالغرائز خلقها الله فيك لمهمة، فعليك أن تقف بها عند مهمتك. ومثل الغرائز العواطف من حب وكره وشفقه وحزن.. إلخ، وهذه ليس لها قانون إلا أن تقف بها عند حدود العاطفة لا تتعداها إلى النزوع، فأحبب من شئت وأبغض من شئت، لكن لا تتعد ولا ترتب على العاطفة حكما. وقد ذكرنا لهذه المسألة مثالا بسيدنا عمر - رضي الله عنه - وكان له أخ اسمه زيد قتل، ثم أسلم قاتله، فكان عمر كلما رآه يقول له: ازو عني وجهك - يعني: أنا لا أحبك - فيقول: أو عدم حبك لي يمنعني حقا من حقوقي؟ قال: لا، قال: إنما يبكي على الحب النساء. يعني: الحب والكره مسائل يهتم بها النساء، والمهم العمل، وما يترتب على هذه العواطف.

ومن المجاهدة مجاهدة من سلط عليك من جبار أو نحوه، تجاهده وتصبر على إيذائه، فحبك للحق يجعلك تصبر عليه، يقول تعالى:

ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلوا أخباركم

[محمد: 31]. كل هذه بلاءات تحتاج إلى مجاهدة، فإن كان لك غريم فإن قدرت أن تدفع أذاه بالتي هي أحسن فافعل، وإن أردت أن تعاقب فعاقب بالمثل، وهذه مسألة صعبة لأنك لا تستطيع تقدير المثلية أو ضبطها، بحيث لا تتعدى، فمثلا لو ضربك خصمك ضربة، أتستطيع أن ترد عليه بمثلها دون زيادة؟ إذن: فلا تدخل نفسك في هذه المتاهة، وأولى بك أن تأخذ بقوله تعالى

والعافين عن الناس..

[آل عمران: 134] وتنتهي المسألة. فإذا كانت المصيبة لا غريم لك فيها، كالمرض والموت وغيرهما من القدريات التي يجريها الله عليك، فقل إن ربي أراد بي خيرا، فبها تكفر الذنوب والسيئات وبها أنال أجر الصابرين، وربما أنني غفلت عن ربي أو غرتني النعمة، فابتلاني الله ليلفتني إليه ويذكرني به. ومن المجاهدة مجاهدة النفس في تلقي المنهج بافعل ولا تفعل، والتكليف عادة ما يكون شاقا على النفس يحتاج إلى مجاهدة، وإياك أن تنقل مدلول افعل في لا تفعل، أو تنقل مدلول لا تفعل في افعل. وحين تستقصي افعل ولا تفعل في منهج الله تجده يأخذ نسبة سبعة بالمائة من حركاتك في الحياة، والباقي مباحات، لك الحرية تفعلها أو تتركها. وقد يتعرض الإنسان المستقيم للاستهزاء والسخرية حتى ممن هو على دينه، لأن المنحرف دائما يشعر بنقص فيتضاءل ويصغر أمام نفسه، ويحاول أن يجر الآخرين إلى نفس مستواه حتى يتساوى الجميع، وإلا فكيف تكون أنت مهتديا مستقيما وهو عاص ضال لذلك تراه يسخر منك ويهون من شأنك، لماذا؟ ليزهدك في الطاعة، فتصير مثله. واقرأ إن شئت قوله تعالى:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٣١٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٣١٩