تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لإيلاف قريش

[قريش: 1] أن الله أهلك أبرهة وجنوده ولم يمكنهم من البيت لتظل لقريش، وليديم الله عليها أن يؤلفوا وأن يحبوا من الناس جميعا، ويواصلوا رحلاتهم التجارية الآمنة. لذلك يقول تعالى بعدها

فليعبدوا رب هذا البيت * الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف

[قريش: 3-4] فكان من الواجب عليهم أن يعبدوا رب البيت الذي وهبهم هذه النعم، فما هم فيه من أمن وأمان وطعام وشراب ليس بقوتهم، إنما بجوارهم لبيت الله، ولبيت الله قداسته عند العرب، فلا يجرؤ أحد منهم على الاعتداء على تجارة قريش. فقولهم لرسول الله:

إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنآ..

[القصص: 57] حجة لله عليهم، ففي الوقت الذي يتخطف الناس فيه من حولهم كانوا هم في أمان، فهي حجة عليهم. ثم إن الشرط هنا

إن نتبع الهدى معك..

[القصص: 57] غير مناسب للجواب

نتخطف من أرضنآ..

[القصص: 57] فما دمتم قلتم عن الدين الذي جاءكم به محمد أنه هدى - يعني هدى لله - فكان يجب عليكم أن تؤمنوا به لو تأكد لديكم أنه هدى، وإلا فأنتم كاذبون في هذا القول، ولم لا وأنتم تكذبون القرآن وتقولون عنه افتراء وكذب وسحر، والآن تقولون عنه هدى، وهذا تناقض عجيب. ألم يقولوا

لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم

[الزخرف: 31] ومعنى هذا أن القرآن لا غبار عليه، لكن آفته أنه نزل على هذا الرجل بالذات.

وقوله تعالى ﴿ أفبالباطل يؤمنون.. ﴾ [العنكبوت: 67] أي: بالأصنام ﴿ وبنعمة الله يكفرون ﴾ [العنكبوت: 67] قال ﴿ وبنعمة الله.. ﴾ [العنكبوت: 67] ولم يقل مثلا: وبعبادة الله، أو بالإيمان بالله يكفرون لأن إيمانهم لو لم يكن له سبب إلا نعم الله عليهم أن يطعمهم من جوع، ويؤمنهم من خوف لكان واجبا عليهم أن يؤمنوا به. والباطل مقابل الحق، وهو زهوق لا دوام له، فسرعان ما يفسد وينتهي، فإن قلت ما دام أن الباطل زهوق وسينتهي، فما الداعي للمعركة بين حق وباطل؟ نقول: لولا عضة الباطل للمجتمع لما استشرف الناس للحق ينقذهم، فالباطل نفسه جند من جنود الحق، كما أن الكفر جند من جنود الإيمان، فلولا الكفر وما يفعله الكافرون بالناس لما اشتاق الناس للإيمان، الذي يوفر لهم الأمن والطمأنينة والراحة والمساواة. كما أن معنى كفر يعني ستر الإله الواجب الوجود، والستر يحتاج إلى مستور، فما هو المستور بالكفر؟ المستور بالكفر الإيمان، فكلمة كفر نفسها دليل وجود الإيمان. وسبق أن قلنا: إن الإنسان قد يكره بعض الأشياء، وهي لمصلحته ولحكمة خلقها الله، ومثلنا لذلك بالألم الذي يتوجع منه الإنسان، وهو في الحقيقة تنبيه له واستنهاض ليعلم سبب هذ الألم ويتنبه، فيدفع المرض عن نفسه، ويطلب له الدواء. فالألم بهذا المعنى جند من جنود العافية، وإلا فأفتك الأمراض بالبشر ما ليس له ألم ينبه إليه، فيظل كامنا في الجسم حتى يستفحل أمره، وتعز مداواته لذلك يصفونه بالمرض الخبيث لأنه يتلصص في الجسم دون أن يظهر له أثر يدل عليه. فالحق - سبحانه وتعالى - خلق الألم لحكمة لينبهك أن في موضع الألم عطبا، وأن الجارحة التي تألم غير صالحة لأداء مهمتها لذلك يقولون في تعريف العافية: العافية ألا تشعر بأعضائك، لك أسنان تأكل بها، لكن لا تدري بها، وربما لا تتذكر هذه النعمة إلا إذا أصابها عطب فآلمتك. إذن: حين تعلم جارحتك وتتألم، فاعلم أنها غير طبيعية، وأنها لا تؤدي مهمتها كما ينبغي، فعليك أن تبادر بعلاجها. وأيضا حين يزدهر الباطل، وتكون له صولة، فإنما ذلك ليشعرك بحلاوة الحق، فتستشرف له وتتمناه. لذلك انتشر الإسلام في البلاد التي فيها أغلبية إسلامية، لا بالسيف كما يحلو للبعض أن يقول، إنما انتشر برؤية الناس لمبادئه وسماحته. ففي بلاد فارس والروم ذاق الناس هناك كثيرا من المتاعب من دياناتهم ومن قوانينهم، فلما سمعوا عن الإسلام ومبادئه وسماحة تعاليمه أقبلوا عليه. فلولا أن الباطل عضهم لما لجأوا للإيمان، فالإسلام انتشر انتشارا عظيما في نصف قرن من الزمان، ولم يكن هذا نتيجة الاندفاع الإيماني ليدخل الناس في الإسلام، إنما لجذب الضلال للإيمان، فكأن الإسلام مدفوع بأمرين: أهله الحريصون على انتشاره، وباطل يجذب الناس إليه.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٣٩٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٣٩٦