وإذ أخذ ربك من بني ءادم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنآ..
[الأعراف: 172] شهدوا لأنهم ما يزالون في عالم الذر، لا تتحكم فيهم الأغيار البشرية
أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين * أو تقولوا إنمآ أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم..
[الأعراف: 172-173]. والله خلق الإنسان خليفة له في الأرض، وسخر له كل هذا الكون، فإن ظل متمسكا بهذا المنهج، ووقف عند حد الخلافة يفوز، أما إن ظن أنه أصيل في الكون يخيب ويخسر، لكن الله الذي خلقه يعلم الأغيار فيه وهو خلقه وصنعته لذلك وجهه: أنت خليفتي في أرضي، وعليك أن تنظر إلى ما طلب منك فتؤديه، وإلا فسدت حياتك وتصادمت مع الآخرين لأنك لست وحدك فيها، ولكي تنسجم مع غيرك لا بد أن تسير وفق منهجي، وفي دائرة قوانين من استخلفك. ثم ينبهه من ناحية أخرى: يقول أنت أيها الإنسان، اعلم أن الأسباب ستستجيب لك، فإياك أن تظن أن لك قدرة عليها، أو أن لك جاها وعظمة، فتنسى أنك خليفة لذلك يقول سبحانه:
كلا إن الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى
[العلق: 6-7] احذر حين تتم لك الأمور وتطاوعك الأسباب
إن إلى ربك الرجعى
[العلق: 8] فسوف يقابلك من الأحداث ما لا تستطيع أسبابك أن تدفعها، ولن تجد مرجعا إلا إلي.
وكيف يطغى الإنسان وقد أعطاه الله فيضا من فيض كماله، أعطاه قدرة من قدرته، وعلما من علمه.. إلخ فإذا نظرت نظرة بسيطة في فيوضات الله عليك لوجدتها كثيرة، بالله ماذا تفعل إن أردت أن تقوم من مكانك، أو أن تحرك يدك أو رجلك؟ لا شيء، بمجرد أن تريد تنفعل لك أعضاؤك، وتطاوعك من حيث لا تدري. وسبق أن قارنا بين حركة الإنسان وحركة الحفار مثلا، وكيف أنه يحتاج إلى عمليات معقدة، فكل حركة منه لها زر خاص يؤديها، فماذا تفعل أنت إن أردت أن تؤدي مثل هذه الحركات؟ إنك بمجرد الإرادة ينفعل لك العضو، وكأن فيك فيضا من قوله تعالى:
إنمآ أمره إذآ أراد شيئا أن يقول له كن فيكون
[يس: 82] فإذا كنت أنت تفعل بمجرد أن تريد، فلماذا لا تصدق هذا في حق الله تبارك وتعالى؟ لكن هذه الحركة وانفعال الأعضاء لك ليس ذاتيا فيك، ويستطيع خالقك أن يسلبها منك، فتريد أن ترفع يدك فلا تستطيع، فأنت تحت قيوميته تعالى، فلم يعطك من صفاته، ثم يتركك.. فربنا سبحانه يحذرنا: إذا استغنيت ستطغى فتنبه أن إلى ربك الرجعى. ثم يلفت نظرنا من الآن إلى قضية أخرى قبل أن نتعرض للمخاطر:
وإن يمسسك الله بضر..
[يونس: 107] فلا تتعب نفسك، وتذهب هنا أو هناك لأنه
فلا كاشف له إلا هو..
[يونس: 107]. هذه نصيحتي لك لأنك صنعتي، وأنا أحب أن تكون صنعتي على أرقى ما تكون من الكمال، فإذا مسك ضر لا تقدر على دفعه بأسبابك، فعليك بباب ربك. هذه ثلاث قضايا أو نصائح نقدمها لك قبل أن تحل بك الأحداث والمصائب: إن استغنيت ستطغى، وأن إلى ربك الرجعى، وإذا مسك ضر، ولا حيلة لك في دفعه بأسبابك، فليس لك إلا الله تفزع إليه، والإله الذي ينبهنا إلى المخاطر لنتلافاها إله رحيم. إذن: فأنتم تحبون الحياة، ولما نزلت بكم الأحداث والخطوب في السفينة خفتم الموت، ودعوتم الله بالنجاة، فأنتم حريصون على الحياة الدنيا، فلماذا لا تؤمنون بالله فتنالون حياة أخرى أبقى وأدوم؟ والطريق إليها بالإيمان واليقين، وبمنهج الله في افعل و لا تفعل. هذه قضية ذكرها القرآن، أما واقع الحياة فقد أكدها، وجاءت الأحداث وفق ما قال. القضية:
وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه..
[يونس: 12] الإنسان يعني مطلق الإنسان: المؤمن والكافر
أو قاعدا أو قآئما..
[يونس: 12] يعني: في كل الأحوال، فلما جاءه الخطر وأصابه الضر دعا الله على أي حال كان. وهذه الأحوال تمثل مراحل راحات النفس، فمثلا حين تسير وأنت تحمل شيئا، فحين تتعب أولا تضع عنك هذا الحمل، ثم تتوقف عن السير لتستريح، فإن كان التعب أشد تقعد، وإلا تضطجع على جنبك. فأنت في وضع الوقوف تحمل ثقل الجسم كله على القدمين فتكون الراحة أقل، أما في حالة القعود يوزع ثقل الجسم على الوركين والمقعدة، وفي الاضطجاع يوزع نصف الجسم على نصفه فتكون الراحة أكبر، وفي ضوء هذا نفهم أن الله يستجيب لك حين تدعوه قائما، أو قاعدا، أو على جنبك.