تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن هنا ثبتت لله تعالى القدرة. وبقى أن تثبت له الحب. والعبد الصالح هو الذي يطيعه عن حب. ونحن قد سبق لنا أن ضربنا مثلا - ولله المثل الأعلى - وقلنا إن إنسانا عنده خادمان واحد اسمه سعد والآخر اسمه سعيد، سعد قيده صاحبه بحبل ويجره قائلا: " يا سعد " فهل لسعد ألا يجيء؟ لا. لكن صاحب العبدين ترك لسعيد الحرية، وعندما يناديه فهو يأتيه. إذن، أيهما يحبه، الذي جاء بالحبل أم الذي جاء بالمحبة؟ إذن، فمن كرامة الإنسان أن يثبت لله صفة المحبة إن آمن بالله لأنه سبحانه وتعالى لو شاء أن يهدي الناس جميعا ما استطاع أي واحد منهم أن يكفر به، ولو شاء أن يكون مطاعا دائما ما استطاع واحد أن يعصيه أبدا. ولذلك قلنا: إن إبليس كان عالما حينما قال أمام الله تعالى:

قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين

[ص: 82]. أقسم الشيطان لله بعزته سبحانه عن خلقه، وكأنه قال: أنت يا رب لو كنت تحتاج عبادك فأنا لا أستطيع أن آخذهم، ولكن لأنك عزيز عليهم، إن أرادوا أن يؤمنوا آمنوا، وإن أرادوا ألا يؤمنوا لم يؤمنوا فهذا هو المدخل الذي سأدخل منه. ولذلك استثنى الشيطان بعضا من العباد لأنه لن يستطيع أن يجد لوسوسته لديهم مدخلا:

إلا عبادك منهم المخلصين

[ص: 83]. أي إن الذي يريد الله أن يستخلصه لنفسه فلن يستطيع الشيطان أن يقترب منه. إذن فإبليس ليس داخلا في معركة مع الله تعالى، ولكنه في معركة معنا نحن. ولقد أوضح الحق ذلك حين جاء على لسان إبليس في القرآن:

قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين * إلا عبادك منهم المخلصين

[ص: 82-83]. إذن لو أراد الله أن نكون طائعين جميعا، أيستطيع واحد أن يعصي؟ لا يستطيع. ولو أرادنا مؤمنين جميعا، أيستطيع واحد أن يكفر؟ لا يستطيع. إنما شاء الله تعالى لبعض الأمور والأفعال أن يتركها لاختيارك لأنه يريد أن يعرف من الذي يأتيه طوعا وليظل العبد بين الخوف والرجاء ولذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم:

" لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع بجنته أحد، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ما قنط من جنته أحد ".

ولهذا فإن مطلوب الارتفاع الإيماني، والارتفاع اليقيني أن تحب الله لذات الله. وهو سبحانه يجري عليك من الأحداث ما يشاء، وتظل تحبه فيباهي الله بك الملائكة فتقول الملائكة: يا رب يحبك لنعمتك عليه فيقول لهم: وأسلب نعمتي ولا يزال يحبني، ويسلب الحق النعمة لكن العبد لا يزال يحب الله، فهو يحب الله ولا يحب نعمته لأنه سبحانه ذات تحب لذاتها بصرف النظر عن أنه يعطينا النعم. إذن الحق سبحانه وتعالى قد أرسل الرسل يحملون منهج الله لمن يريد أن يعلن حبه لله، وأن يكون خليفة في الأرض بحق، وأن يصلح في الكون ولا يفسده.

ونعرف أن الإصلاح له مرتبتان: أن تترك الصالح بطبيعته فلا تفسده، أو أن تزيد الصالح صلاحا. فلا تأتي على عين الماء التي تتدفق للناس وتردمها، ولكنك تتركها على صلاحها إن لم تستطع أن تزيدها إصلاحا. وقد تستطيع أن تزيد عين الماء صلاحا فبدلا من أن يذهب الناس متعبين إلى العين ويحملون منها الماء، قد تصنع لهم مضخة عالية لها خزان ترفع إليه الماء وتمد " المواسير " وتوصل المياه إلى منازلهم. فأنت بذلك تزيد الأمر الصالح صلاحا، وهذه خلافة وعمارة في الوجود. فإن لم تستطع أن تزيد الصالح صلاحا فجنبنا شر إفسادك، ودع الحال كما هي عليه، واقعد كما أنت عالة في الكون. ولو أن الإنسان كان منصفا في الكون لسأل نفسه: من الذي اهتدى إلى صناعة الرغيف الذي نأكله الآن؟ وسيعرف أنه قد أخذ تجارب الناس من أول آدم حتى وصل إلى صناعة هذا الرغيف، فهناك إنسان زرع القمح، وهناك إنسان آخر هداه الله أن يطحن هذا القمح، وهو سبحانه هدى الإنسان أن يصنع منخلا ليفصل الدقيق عن النخالة، ثم هداه أن يعجن الدقيق حتى يجد له طعما أفضل. ولاشك أنه ترك مرة قطعة من العجين ثم شغل عنها بأي شاغل أو بأي سبب ثم رجع لها مرة أخرى فوجدها متخمرة، فلما خبزها خرج له العيش أفضل طعما، إنه سبحانه قدر فهدى، وإلا كيف تأتي هذه التجربة الطويلة؟ ومثال آخر: إن الإنسان حين ينظف ثوبه، لو أنه استعرض أعمال من سبقوه في هذا الموضوع منذ آدم، لعلم أن كل واحد سبقه في الوجود أعطاه مرحلة من النفعية إلى أن وصل للغسالة الكهربائية التي تغسل له بدون تعب، كل هذه الأشياء جاءت له بهدايات من الله. وقد قلت مرة: لماذا طبخت الناس " الكوسة " ولم تطبخ " الخيار "؟ إن هذا دليل على أن هناك تجارب كثيرة مرت على الإنسان حتى يميز طعم الكوسة المطبوخة عن الخيار، وكذلك طبخ الناس الملوخية ولم يطبخوا النعناع، مع أن النعناع أحسن منها، حدث ذلك لأن هناك تجارب وصلتنا بأن النعناع لا يستساغ طعمه مطبوخا. وأنت لو نظرت إلى أي شيء تستفيد به اليوم، وقدرت الأعمال التي تداولته من يوم أن وجد، ستجد أن الحق قد قدر لكل إنسان عملا ومجالا، وظل يخدمك أنت. وما دمت قد خدمت بهؤلاء الناس كلهم من أول آدم وحتى اليوم، فلا بد أن تنظر لترى ماذا ستقدم لمن يأتي من بعدك، فلا تكن كسولا في الحياة تأخذ خير غيرك كله في الوجود، وبعد ذلك لا تعطي أي شيء، بل لابد أن يكون لك عطاء، فكما أخذت من بيئتك لابد أن تعطي هذه البيئة، ولو لم يوجد هذا لما ارتقت الحياة لأن معنى ارتقاء الحياة أن إنسانا أخذ خبرة من سبقوه، وحاول أن يزيد عليها، أي أن يأخذ أكبر ثمرة بأقل مجهود.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٣٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٣٩