لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي..
[البقرة: 256] لأنني لا أكرهك على شيء إلا إذا كنت ضعيف الحجة، وما دام أن الرشد بين والغي بين، فلا داعي للإكراه إذن. لكن البعض يفهم هذه الآية فهما خاطئا فحين تقول له: صل يقول لك
لا إكراه في الدين..
[البقرة: 256] ونقول له: لم تفهم المراد، فلا إكراه في أصل الدين في أن تؤمن أو لا تؤمن، فأنت في هذه حر، أما إذا آمنت وأعلنت أنه لا إله إلا الله محمد رسول الله، فليس لك أن تكسر حدا من حدود الإسلام، وفرق بين " لا إكراه في الدين " و " لا إكراه في التدين ". ومن حكمة الإسلام أن يعلن حكم الردة لمن أراد أن يؤمن، نقول له قف قبل أن تدخل الإسلام، اعلم أنك إن تراجعت عنه وارتددت قتلناك، وهذا الحكم يضع العقبة أمام الراغب في الإسلام حتى يفكر أولا، ولا يقدم عليه إلا على بصيرة وبينة. وإذا قيل ﴿ أهل الكتاب.. ﴾ [العنكبوت: 46] أي: الكتاب المنزل من الله، وقد علم الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يجادل المشركين بقوله:
فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون
[النحل: 43] فعلم الرسول أن يرجع إلى أهل الكتاب، وأن يأخذ بشهادتهم، وفي موضع آخر علمه أن يقول لمن امتنع عن الإيمان:
ويقول الذين كفروا لست مرسلا قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب
[الرعد: 43]. إذن: فرسولنا يستشهد بكم، لما عندكم من البينات الواضحة والدلائل على صدقه. حتى قال عبد الله بن سلام: لقد عرفته حين رأيته كمعرفتي لابني، ومعرفتي لمحمد أشد، ولم لا يعرفونه وقد ذكر في كتبهم باسمه ووصفه:
الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل..
[الأعراف: 157]. ثم ألم يحدث منكم أنكم كنتم تستفتحون به على المشركين في المدينة، وتقولون: لقد أطل زمان نبي يبعث في مكة، فنتبعه ونقتلكم به قتل عاد وإرم؟ فلما جاءكم النبي الذي تعرفون أنكرتموه وكفرتم به:
وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جآءهم ما عرفوا كفروا به..
[البقرة: 89]. كيف يستشهد الله على صدق رسوله بكم وبكتبكم ثم تكذبون؟ قالوا: كذبوا لما لهم من سلطة زمنية يخافون عليها، ورأوا أن الإسلام سيسلبهم إياها. وكلمة ﴿ بالتي هي أحسن.. ﴾ [العنكبوت: 46] وردت في القرآن، لكن في غير الجدل في الدين، وردت في كل شيء يوجب جدلا بين أناس وذلك في قوله سبحانه:
ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم
[فصلت: 34]. وقد جاءني رجل يذكر هذه الآية، وما يترتب على الإحسان، يقول: عملت بالآية فلم أجد الولي الحميم؟ قلت له: كونك تحمل هذا الأمر في رأسك دليل على أنك لم تدفع بالتي هي أحسن لأن الله تعالى لا يقرر قضية قرآنية، ويكذبها واقع الحياة، فإن دفعت بالتي هي أحسن بحق لا بد وأن تجد خصمك كأنه ولي حميم. لذلك يقول أحد العارفين:
يا من تضايقه الفعال من التي ومن الذي
ادفع فديتك بالتي حتى ترى فإذا الذي
والمعنى: من التي تسيء إليك، أو الذي يسيء إليك
ادفع بالتي هي أحسن..
[فصلت: 34] حتى ترى
فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم
[فصلت: 34]. وأذكر أنه جاءني شاب يقول: إن عمي موسر، وأنا فقير، وهو يتركني ويتمتع بماله غيري، فقلت له: بالله أتحب النعمة عند عمك؟ فسكت، قلت له: إذن أنت لا تحبها عنده، لكن اعلم أن النعمة تحب صاحبها أكثر من حب صاحبها لها لذلك لا تذهب إلى كارهها عند صاحبها. فما عليك إلا أن تثوب إلى الحق، وأن تتخلص مما تجد في قلبك لعمك، وثق بأن الله هو الرزاق، وإن أردت نعمة رأيتها عند أحد فأحببها عنده، وسوف تأتيك إلى بابك، لأنك حين تكره النعمة عند غيرك تعترض على قدر الله. بعد هذا الحوار مع الرجل - والله يشهد - دق جرس الباب، فإذا به يقول لي: أما دريت بما حدث؟ قلت: ماذا؟ قال: جاءني عمي قبل الفجر بساعة، فلما أن فتحت له الباب انهال علي ضربا وشتما يقول: لماذا تتركني للأجانب يأكلون مالي وأنت موجود؟ ثم أعطاني المفاتيح وقال: من الصباح تباشر عملي بنفسك.