. } [العنكبوت: 46] لأنهم ليسوا ملاحدة ولا مشركين، فهم مؤمنون بإلهكم وبالرسل وبالكتب، غاية ما هنالك أنهم لا يؤمنون برسولكم. لذلك يعترض بعض الناس: كيف يبيح الإسلام أن يتزوج المسلم من كتابية، ولا يبيح للمسلمة أن تتزوج كتابيا؟ نقول: لأن أصل القوامة في الزواج للرجل، والزوج المؤمن حين يتزوج كتابية مؤمن برسولها، أما الزوج الكتابي فغير مؤمن برسول المؤمنة، فالفرق بينهما كبير. ومعنى: ﴿ إلا بالتي هي أحسن.. ﴾ [العنكبوت: 46] أن في الجدال حسنا وأحسن، وقد سبق الجدال الحسن في قوله تعالى:
وإنآ أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين
[سبأ: 24] ونوح عليه السلام يتلطف في جدال قومه، فيقول:
قل إن افتريته فعلي إجرامي وأنا بريء مما تجرمون
[هود: 35]. فينسب الافتراء إلى نفسه، ويتهم نفسه بالإجرام إن افترى، فإن لم يكن هو المفتر، وهو المجرم فهم. ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم يقول في جدال قومه:
قل لا تسألون عمآ أجرمنا ولا نسأل عما تعملون
[سبأ: 25] فيذكر صلى الله عليه وسلم الجريمة في حقه هو ولا يذكرها في حق المعاندين المكذبين، فأي أدب في الدعوة أرفع من هذا الأدب؟ إذن: جادل غير المؤمنين بالحسن، وجادل أهل الكتاب بالتي هي أحسن، لما يمتازون به عن غيرهم من ميزة الإيمان بالله. فإن تعدوا وظلموا أنفسهم في مسألة القمة الإيمانية، فادعوا أن لله ولدا أو غيره، فإنهم بذلك يدخلون في صفوف سابقيهم من المشركين، فإن كنا مأمورين بأن نجادلهم بالتي هي أحسن وقالوا بهذا القول، فعلينا أن نجادلهم بما يقابل الأحسن، نجادلهم إما بالحسن، وإما بغير الحسن أي: بالسيف. لكن، هل يفرض السيف عقائد؟ السيف لا يأخذ من الناس إلا قوالبهم. أما القلوب فلا يخضعها إلا الإيمان، والله تعالى لا يريد قوالب، إنما يريد قلوبا. واقرأ قوله تعالى في سورة الشعراء:
لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين * إن نشأ ننزل عليهم من السمآء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين
[الشعراء: 3-4] فإن أراد سبحانه قهر القوالب والقلوب على الخضوع، بحيث لا يستطيع أحد أن يتأبى على الإيمان ما وجد كافر، وما كفر الكافر إلا لما أعطاه الله من منطقة الاختيار فالحق سبحانه يريد منا قلوبا تحبه سبحانه وتعبده لأنه سبحانه يستحق أن يعبد. إذن: الذين يخرجون عن نطاق الكتابية بتجاوزهم الحد، وقولهم أن عيسى ابن الله، أو أن الله ثالث ثلاثة، إنما يدخلون في نطاق الشرك والكفر، ولن نقول لهؤلاء: اتبعوا رسولنا، وإنما اتبعوا رسولكم، والكتاب الذي جاءكم به من عند الله، وسوف تجدون فيه البشارة بمحمد
الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل..
[الأعراف: 157]. إذن: فحين تكفر فأنت لا تكفر بمحمد ولا بالقرآن، إنما تكفر أولا بكتابك أنت لذلك يعلمنا الحق سبحانه:
لقد كفر الذين قآلوا إن الله هو المسيح ابن مريم..
[المائدة: 17] وقال أيضا:
لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة..
[المائدة: 73]. أي: لا تعاملوهم على أنهم كتابيون، ولما سئلنا في الخارج من أبنائنا الذين يرغبون في الزواج من أجنبيات، فكنت أقول للواحد منهم: سلها أولا: ماذا تقول في عيسى، فإن قالت هو رسول الله فتزوجها وأنت مطمئن لأنها كتابية، وإن قالت: ابن الله، فعاملها على أنها كافرة ومشركة. هذا في معنى قوله تعالى: ﴿ إلا الذين ظلموا منهم.. ﴾ [العنكبوت: 46] ونحن لا نحمل السيف في وجه هؤلاء لأن السيف ما جاء إلا ليحمي اختيار المختار، فلي أن أعرض ديني، وأن أعلنه وأشرحه، فإن منعوني من هذه فلهم السيف، وإن تركوني أعلن عن ديني فهم أحرار، يؤمنون أو لا يؤمنون. إن آمنوا فأهلا وسهلا، وإن لم يؤمنوا فهم أهل ذمة، لهم ما لنا وعليهم ما علينا، ويدفعون الجزية نظير ما يتمتعون به في بلادنا، ونظير حمايتنا لهم، وما نقدمه لهم من خدمات، وإلا فكيف نفرض على المؤمنين الزكاة ونترك هؤلاء لا يقدمون شيئا؟ لذلك نرى الكثيرين من أعداء الإسلام يعترضون على مسألة دفع الجزية، ويرون أن الإسلام فرض بقوة السيف، وهذا قول يناقض بعضه بعضا، فما فرضنا عليكم الجزية إلا لأننا تركناكم تعيشون معنا على دينكم، ولو أرغمناكم على الإسلام ما كان عليكم جزية. والحق - تبارك وتعالى - يقول: