تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن..

[النحل: 125]. ويعلمنا سبحانه أن للجدل مراتب بحسب حالة الخصم، فالذي ينكر وجود الله له جدل مخصوص، والذي يؤمن بوجود الله ويقول: إن معه شريكا. له جدل آخر، ومن يؤمن بالله ويقول سأتبع نبيي ولن أتبعك له جدل آخر وبشكل خاص، والمختلفون معك من أهل ملتك لهم جدل يليق بحالهم. إذن: للجدل مراتب نلحظها في أسلوب القرآن، فبم جادل الذين لا يؤمنون بوجود إله؟ قال:

أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون * أم خلقوا السماوات والأرض بل لا يوقنون

[الطور: 35-36]. فأتى لهم بمسألة الخلق الظاهرة التي لم يدعها أحد، ولا يجرؤ أحد على إنكارها، حتى المشركون والملاحدة لأن أتفه الأشياء في صناعاتهم يعرفون صانعها، ويقرون له بصنعته، ولو كانت كوبا من زجاج أو حتى قلم رصاص، لا بد أن لكل صنعة صانعا يناسبها. أليس من خلق السماوات والأرض والشمس والقمر.. إلخ أولى بأن يعترفوا له سبحانه بالخلق؟ وهم أنفسهم مخلوقون ولم يقولوا إنا خلقنا أنفسنا، ولم يقولوا خلقنا غيرنا، فمن خلقهم إذن؟ وقلنا: إن الدعوى تثبت لصاحبها ما لم يقم لها معارض، والحق - سبحانه وتعالى - قال علانية، وعلى لسان رسله، وفي قرآن يتلى إلى يوم القيامة، وأسمع الجميع: أنا خالق هذا الكون.

فإن قال معاند: فمن خلق الله؟ نقول: الذي خلقه عليه أن يعلن عن نفسه. والحق سبحانه شهد لنفسه أنه لا إله إلا هو

شهد الله أنه لا إله إلا هو..

[آل عمران: 18] ولم يقل أحد أنا الإله. إذن: الذين ينكرون الخالق لا حق لهم. هذا في جدال الملاحدة الذين ينكرون وجود الله. أما الذين يؤمنون بوجود الله، لكن يتخذون معه سبحانه شركاء، فنجادلهم على النحو التالي: شركاؤكم مع الله غيب أم شهادة؟ إن قالوا: غيب فإن الله تعالى شهد لنفسه بالوحدانية. وقال: أنا واحد لا شريك لي، فأين كان شركاؤكم؟ لماذا لم يدافعوا عن ألوهيتهم مع الله؟ إما لأنهم ما دروا بهذا الإعلان، وإما أنهم دروا وعجزوا عن المواجهة، وفي كلتا الحالتين تنتفي عنهم صفة الألوهية، فأي إله هذا الذي لا يدري بما يدور حوله، أو يجبن عن مواجهة خصمه؟ فإن قالوا: شركاؤنا الأصنام والأشجار والكواكب وغيرها، فهذه من صنع أيديهم، فكيف يعبدونها، ثم هي آلهة لا منهج لها ولا تكاليف، وإلا فبماذا أمرتهم وعم نهتهم؟ إذن: عبادتهم لها باطلة. ثم نسأل الذين يتخذون مع الله شركاء: أهؤلاء الذين تشركونهم مع الله يتواردون على الأشياء بقدرة واحدة، أم يتناوبون عليها، كل منهم بقدر على شيء معين؟ إن كانوا يزاولون الأشياء بقدرة واحدة، فواحد منهم يكفي والباقون لا فائدة منهم، وإن كانوا يتناوبون على الأشياء، فكل منهم قادر على شيء عاجز عن الشيء الآخر، والإله لا يكون عاجزا. وقد رد الحق سبحانه على هؤلاء بقوله تعالى:

قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا

[الإسراء: 42] أي: لذهبوا إليه إما ليعنفوه ويصفوا حساباتهم معه، وكيف أخذ الأمر لنفسه، وإما ليتوددوا إليه ويعاونوه. وفي موضع آخر:

إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض..

[المؤمنون: 91]. وبعد أن بينا جدال الملاحدة الذين ينكرون وجود الإله وجدال أهل الشرك نجادل أهل الكتاب، وهم ألطف من سابقيهم لأنهم مؤمنون بإله وأنه الخالق، ومؤمنون بالبلاغ عن الله، ومؤمنون بالكتب التي نزلت، والخلاف بيننا وبينهم أنهم لا يؤمنون برسالة محمد صلى الله عليه وسلم في حين نؤمن نحن برسلهم وكتبهم، وهذه أول ميزة تميز بها الإسلام على الأديان الأخرى. ونقول لهؤلاء: لقد آمنت برسولك، وقد سبقه رسل، فلماذا تنكر أن يأتي رسول بعده؟ ثم هل جاء الرسول بعد رسولك ليناقضه في أصول الأشياء؟ إنهم جميعا متفقون على أصول العقيدة والأخلاق، متفقون على أنهم عباد لله متحابون، فلماذا تختلفون أنتم؟ فربنا - تبارك وتعالى - يعلمنا { ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٣٦٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٣٦٨