" لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن "
والمعنى: لو استحضر الإيمان ما فعل، إنما غفل عن إيمانه فوقع في المعصية. ومن استحضر ثواب الطاعة وجد لها حلاوة في نفسه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة:
" أرحنا بها يا بلال ".
وقوله: ﴿ ولا تعثوا في الأرض مفسدين ﴾ [العنكبوت: 36] العثو: الفساد المستور والفساد يقال للظاهر، فالمعنى: لا تعثوا في الأرض عثوا، فالمفعول المطلق بمعنى الفعل، فقوله تعالى: ﴿ ولا تعثوا في الأرض مفسدين ﴾ [العنكبوت: 36] كما نقول: اجلس قعودا. والفاء في قوله: ﴿ فقال يقوم اعبدوا الله.. ﴾ [العنكبوت: 36] تدل على أنها تعطف هذا الكلام على كلام سابق، والتقدير: وأرسلنا إلى مدين أخاهم شعيبا فقال: يا قوم إني رسول الله إليكم، ثم ذكر المطلوب منهم ﴿ يقوم اعبدوا الله.. ﴾ [العنكبوت: 36] والجمع بين عبادة الله ورجاء اليوم الآخر يعني: لا تفصلوا العبادة عن غايتها والثواب عليها، ولا تفصلوا المعصية عن عقابها.
وقوله: ﴿ ولا تعثوا في الأرض مفسدين ﴾ [العنكبوت: 36] فلا أقول لكم: أصلحوا فلا أقل من أن تتركوا الصالح على صلاحه لا تفسدوه لأن الخالق - عز وجل - أعد لنا الكون على هيئة الصلاح، وعلينا أن نبقيه على صلاحه. فالنيل مثلا هبة من هبات الخالق، وشريان للحياة يجري بالماء الزلال، وتذكرون يوم كان الفيضان يأتي بالطمي فترى الماء مثل الطحينة تماما، وكذا نملأ منه الزير، وبعد قليل يترسب الطمي آخذا معه كل الشوائب، ويبقى الماء صافيا زلالا. أما الآن فقد أصابه التلوث وفسد ماؤه بما يلقى فيه من مخلفات، وأصبحنا نحن أول من يعاني آثار هذا التلوث. لذلك أصبح ساكن المدن مهما توفرت له سبل الحضارة لا يرتاح إلا إذا خرج من المدينة إلى أحضان الطبيعة البكر التي ظلت على طبيعتها كما خلقها الله، لا ضوضاء، ولا ملوثات، ولا كهرباء، ولا مدنية. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ فكذبوه فأخذتهم الرجفة... ﴾.