قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون
[يونس: 58]. كما لو أنك استخدمت أجيرا بمائة جنيه مثلا في الشهر، وقبل أن يعمل لك شيئا أعطيته أجره فهل يطلب منك أجرا آخر؟ فلو جئت في آخر الشهر وأعطيته عشرة جنيهات، فهي فضل منك وتكرم. لذلك قال
وارجوا اليوم الأخر..
[العنكبوت: 36] لأن الجزاء في الآخرة عند التحقيق والتعقل محض فضل من الله لذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم:
" لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته ".
والنهي في:
ولا تعثوا في الأرض مفسدين
[العنكبوت: 36] أي: لا تفسدوا فسادا ظاهرا، أو: لا تعملوا أعمالا هي في ظنكم نافعة وهي ضارة، تذكرون زمان كان القطن هو المحصول الرئيسي في مصر ومصدر الدخل، وكانت تهدده دودة القطن فنقاومه مقاومة يدوية، إلى أن خرج علينا الأمريكان بالمبيدات، واستخدمنا مادة اسمها دي دي تي فقضت على الدودة في بادئ الأمر، وظن الفلاح أن هذه المشكلة قد حلت.
لكن بعد سنوات تعودت الدودة على هذه المادة، وأصبح عندها حصانة، وكأن الدي دي تي أصبح كيفا عندها، وبدأنا نحن نعاني الأمرين من آثار هذه المبيدات في الماء، وفي التربة، وفي الزراعة، وفي صحة الإنسان والحيوان. إذن: ينبغي النظر في العواقب قبل البدء في الشيء، وأن يقاس الضرر والنفع. كذلك الحال عندما اخترعوا السيارات، وقالوا: إنها ستريح الناس في أسفارهم وفي حمل أمتعتهم، وبعد ما توصل العالم إليه من ثورة في وسائل النقل لو قارنا نفعها بضررها لوجدنا أن ضررها أكبر لما تسببه من تلوث، ولو عدنا إلى الوسائل البدائية، واستخدمنا الدواب لكان أفضل. وأذكر عندما جئنا إلى مصر سنة 1936 - 1938 وجدنا في الميادين العامة مواقف للحمير، مثل مواقف السيارات الآن، وكانت هي الوسيلة الوحيدة للانتقال، ويكفي أن روث الحمار يخصب الأرض، أما عوادم السيارات فتسبب أخطر الأمراض وتؤدي للموت. فماذا بعد أن كذب قوم شعيب نبيهم؟ كانت سنة الله في الأنبياء قبل محمد صلى الله عليه وسلم أن يبلغ الرسول رسالة ربه، لكن لا يؤمر بحمل السيف ضد الكفار، إنما إن كذبوا بالآيات عاقبهم رب العزة سبحانه، وتحسم المسألة بهلاك المكذبين. وكون الحق - تبارك وتعالى - لا يأمر الناس بقتال الكفار هذا أمر منطقي، والدليل رأيناه في بني إسرائيل لما طلبوا من الله أن يفرض عليهم القتال، فقال:
هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا قالوا وما لنآ ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنآئنا فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم..
[البقرة: 246]. ولم يؤمر بالقتال لنشر الدعوة إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه صلى الله عليه وسلم ومن آمن معه مأمونون على هذا، ولأنه صلى الله عليه وسلم آخر الرسل والأنبياء، فلا بد أن يستوفي كل الشروط. ونتيجة التكذيب ﴿ فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين ﴾ [العنكبوت: 37] وهذا عقاب الله لأنه كان سبحانه يتولى المكذب. وفي الحجر وفي هود قال الصيحة وحتى لا تتهم الآيات بالتضارب نقول: الصيحة: صوت شديد مزعج، وهذا الصوت لا نسمعه إلا بتذبذب الهواء بشدة، ولو كان تذبذب الهواء بلطف ما سميت صيحة. إذن: الصيحة تخلخل في الهواء بشدة لا بد أن ينتج عنه رجفة أي: هزة شديدة كالتي تهدم بالبيوت والعمارات نتيجة قنبلة مثلا، فالصيحة وجدت أولا، تبعتها الرجفة، لكن القرآن مرة يذكر الأصل فيقول الصيحة ومرة يذكر النتيجة فيقول الرجفة. ﴿ فأصبحوا في دارهم جاثمين ﴾ [العنكبوت: 37] قال فأصبحوا ولم يقل مثلا: فصاروا ليحدد وقت أخذهم بالصباح، والعادة أن تكون الإغارة وقت الصباح قبل أن يستعد خصمك لملاقاتك، فما يزال في أعقاب النوم خاملا، وإلى الآن يفضل رجال الحرب والقادة أن تبدأ الحرب في الصباح، حيث يفاجأ بها العدو.