تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فلا تحسب السقم كأس الممات

وإن كان سقما شديد الأثر

فرب عليل تراه استفاق

ورب سليم تراه احتضر

وقال آخر:

وقد ذهب الممتلي صحة

وصح السقيم فلم يذهب

وتجد السبب الجامع في الوباءات التي تعتري الناس، فيموت واحد ويعيش آخر، فليس في الموت رتابة، والحق - سبحانه وتعالى - حينما يقول:

ولكل أمة أجل فإذا جآء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون

[الأعراف: 34] نجد واقع الحياة يؤكد هذا، فلا وحدة في عمر، ولا وحدة في سبب. والصدق في الأجل الأول المشاهد لنا يدعونا إلى تصديق الأجل الآخر، وأن أجل الله لآت، فالأجل الذي أنهى الحياة بالاختلاف هو الذي يأتي بالحياة بالاتفاق، فبنفخة واحدة سنقوم جميعا أحياء للحساب، فإن اختلفنا في الأولى فسوف نتفق في الآخرة لأن الأرواح عند الله من لدن آدم عليه السلام وحتى تقوم الساعة، وبنفخة واحدة يقوم الجميع. وسبق أن قلنا: إن الأزمان ثلاثة: حاضر نشهده، وماض غائب عنا لا نعرف ما كان فيه، ومستقبل لا نعرف ما يكون فيه. والحق سبحانه يعطي لنا في الوجود المشاهد دليل الصدق في غير المشاهد، فنحن مثلا لا نعرف كيف خلقنا الخلق الأول إلا من خلال ما أخبرنا الله به من أن أصل الإنسان تراب اختلط بالماء حتى صار طينا، ثم حمأ مسنونا، ثم صلصالا كالفخار.. إلخ. ثم جعل نسل الإنسان من نطفة تتحول إلى علقة، ثم إلى مضغة، ثم إلى عظام، ثم تكسى العظام لحما. وإن كان العلم الحديث أرانا النطفة والعلقة والمضغة، وأرانا كيف يتكون الجنين، فيبقى الخلق الأول من تراب غيبا لا يعلمه أحد. ولا تصدق من يقول: إني أعلمه لأن الله تعالى حذرنا من هؤلاء المضلين في قوله:

مآ أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضدا

[الكهف: 51]. فلا علم لهم بخلق الإنسان، ولا علم لهم بخلق ظواهر الكون، فلا تسمع لهم، وخذ معلوماتك من كتاب ربك الذي خلق سبحانه، ويقوم وجود المضلين الذين يقولون: إن الأرض قطعة من الشمس انفصلت عنها، أو أن الإنسان أصله قرد - يقوم وجودهم، وتقوم نظرياتهم دليلا على صدق الحق سبحانه فيما أخبر. وإلا، فكيف نصدق نظرية ترقي القرد إلى الإنسان؟ ولماذا ترقى قرد دارون ولم تترق باقي القرود؟ وإذا كان المؤمن مصدقا بقوله تعالى:

فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين

[الحجر: 29] لأنه آمن بالله، وآمن بما جاء به رسول الله، فكيف بمن لا يؤمن ولا يصدق؟ لذلك يؤنس الحق سبحانه هذه العقول المستشرفة لمعرفة حقائق الأشياء يؤنسها بما تشاهد: فإن كنت لا تصدق مسألة الخلق فأنت بلا شك تشاهد مسألة الموت وتعاينه كل يوم، والموت نقض للحياة، ونقض الشيء يأتي عكس بنائه. والخالق - عز وجل - أخبر أن الروح هي آخر شيء في بناء الإنسان، لذلك هي أول شيء ينقض فيه عند الموت، إذن: مشهدك في كيف تموت، يؤكد لك صدق الله في كيف جئت؟ وأجل الآخرة أمر لا بد منه ليثاب المطيع ويعاقب العاصي، ألا ترى إلى النظم الاجتماعية حتى عند غير المؤمنين تأخذ بهذا المبدأ لاستقامة حركة الحياة؟ فما بالك بمنهج الله تعالى في خلقه، أيترك الظالم والمجرم يفلت من العقاب في الآخرة بعد أن أفلت من عقاب الدنيا؟ وكنا نرد بهذا المنطق على الشيوعيين: لقد عاقبتم من طالته أيديكم من المجرمين، فكيف بمن ماتوا ولم تعاقبوهم، أليست الآخرة تحل لكم هذا المأزق؟ ثم تختم الآية بقوله تعالى: ﴿ وهو السميع العليم ﴾ [العنكبوت: 5] ألا ترى أنه تعالى لو قال: العليم فقط لشمل المسموع أيضا لأن العلم يحيط بكل المدركات؟ فلماذا قال ﴿ السميع العليم ﴾ [العنكبوت: 5]؟ قالوا: لأن اللغة العربية حينما تكلمت عن العمل والفعل والقول قسمت الجوارح أقساما: فاللسان له القول، وبقية الجوارح لها الفعل، وهما جميعا عمل، فالقول عمل اللسان، والفعل عمل بقية الجوارح، فكأن اللسان أخذ شطر العمل، وبقية الجوارح أخذت الشطر الآخر. وباللسان معرفة إيمانك، حين تقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله، وهي أشرف ما يعمل الإنسان، وبه بلاغ الرسول عن الله لخلقه، إذن: فأفعال الجوارح الشرعية ناشئة من اللسان ومن السماع لذلك جعل القول وهو عمل اللسان شطر العمل كله. ولأهمية القول قال تعالى:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٣١٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٣١٨