تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون * وإذا مروا بهم يتغامزون * وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين * وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون * ومآ أرسلوا عليهم حافظين * فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون * على الأرآئك ينظرون * هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون

[المطففين: 29-36]. ولا شك أن مثل هذا يحتاج منك إلى صبر على أذاه، ومجاهدة للنفس حتى لا تقع في الفخ الذي ينصبه لك. وقد تأتيك الوسوسة من الشيطان فيزين لك الشر، ويحبب إليك المعصية، وعندها تذكر قول الله تعالى:

يابني ءادم لا يفتننكم الشيطان كمآ أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوءاتهمآ..

[الأعراف: 27]. فعليك - إذن - أن تتذكر العداوة الأولى بين أبيك آدم وبين الشيطان لتكون منه على حذر، وسبق أن أوضحنا كيف نفرق بين المعصية التي تأتي من النفس، والتي تأتي من وسوسة الشيطان، فالنفس تقف بك عند معصية بعينها لا تريد غيرها، أما الشيطان فإن تأبيت عليه في ناحية نقلك إلى أخرى، المهم عنده أن يوقعك على أي حال.

إذن: أعداؤك كثيرون، يحتاجون منك إلى قوة إرادة وإلى مجاهدة. ومجيء هذه الآية التي تذكر الجهاد بعد قوله تعالى

فإن أجل الله لآت وهو السميع العليم

[العنكبوت: 5] يطلب من الإنسان الذي يعتقد أن أجل الله بلقاء الآخرة أت، وذلك أمر لا شك فيه - يطلب منه أن يستعد لهذا اللقاء. وقال تعالى: ﴿ فإنما يجاهد لنفسه إن الله لغني عن العالمين ﴾ [العنكبوت: 6] لأن الإنسان طرأ على كون مهيأ لاستقباله بسمائه وأرضه وشمسه وقمره ومائه وهوائه، فكل ما في الكون خادم لك، ولن تزيد أنت في ملك الله شيئا، وكل سعيك وفكرك لترف حياتك أنت، فحين تفعل الخير فلن يستفيد منه إلا أنت وربك غني عن عطائك. فإن جاهدت فإنما تجاهد لنفسك، كما لو امتن عليك خادمك بالخدمة فتقول له: بل خدمت نفسك وخدمت عيالك حينما خدمت لتوفر لك ولهم أسباب العيش، وأنا الذي تعبت وعرقت لأوفر لك المال الذي تأخذه. وكذلك الحق سبحانه يقول لنا ﴿ ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه.. ﴾ [العنكبوت: 6] أي: حينما يطبق المنهج ويسير على هداه، والحق سبحانه يؤكد هذه القضية في آيات عديدة

من عمل صالحا فلنفسه ومن أسآء فعليها وما ربك بظلام للعبيد

[فصلت: 46]. ويقول الحق سبحانه:

إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها..

[الإسراء: 7]. ويقول سبحانه:

لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت..

[البقرة: 286]. إذن: المسألة منك وإليك، ولا دخل لنا فيها إلا حرصنا على صلاح الخلق وسلامتهم، كصاحب الصنعة الذي يريد لصنعته أن تكون على خير وجه وأكمله، لذلك أفيض عليه من قدراتي قدرة، ومن علمي علما، ومن بسطي بسطا، ومن جبروتي جبروتا، وأعطيه من صفاتي. لذلك قال بعض العارفين: " تخلقوا بأخلاق الله ". لأن العون في وهب الصفات ومجال الصفات في الفعل ليس في أن أفعل لك، إنما في أن أعينك لتفعل أنت، فالواحد منا حينما يرى عاجزا لا يستطيع حمل متاعه، ماذا يفعل؟ يحمله عنه، أي: يعدي إليه أثر قوته، إنما يظل العاجز عاجزا والضعيف ضعيفا كلما أراد شيئا احتاج لمن يقوم له به. أما الحق - سبحانه وتعالى - فيفيض عليك من قوته، ويهب لك من قدرته وغناه لتفعل أنت بنفسك لذلك من يتخلق بأخلاق الله يقول: لا تعط الفقير سمكة، إنما علمه كيف يصطاد، حتى لا يحتاج لك في كل الأوقات، أفض عليه ما يديم له الانتفاع به. إذن: الحق سبحانه يهب القادرين القدرة، ويهب الأغنياء الغنى، والعلماء العلم والحكماء الحكمة. وهذه من مظاهر عظمته تعالى ألا يعدي أثر الصفة إلى عباده، إنما يعدي بعض الصفة إليهم، لتكون ذاتية فيهم.

بل ويعطي سبحانه ما هو أكثر من ذلك، يعطيك الإرادة التي تفعل بها لمجرد أن تفكر في الفعل، بالله ماذا تفعل لكي تقوم من مكانك؟ ماذا تفعل حينما تريد أن تحمل شيئا أو تحرك عضوا من أعضائك؟ هل أمرتها أمرا؟ هل قلت لها افعلي كذا وكذا؟ حين تنظر إلى البلدوزر مثلا أو الونش كيف يتحرك، وكيف أن لكل حركة فيه زرا يحركها وعمليات آلية معقدة، تأمل في نفسك حين تريد أن تقوم مثلا بمجرد أن تفكر في القيام، تجد نفسك قائما، مرادك أنت في الأعضاء أن تفعل وتنفعل لك. إذن، حينما يقول لك ربك:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٣٢٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٣٢٠