تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

[التحريم: 10]. لم يحدد الحق هنا اسم أي امرأة من هاتين المرأتين، بل ذكر فقط الأمر المهم وهو أن كلا منهما كانت زوجة لرسول كريم، ومع ذلك لم يستطع نوح عليه السلام أن يستلب العقيدة الكافرة من زوجته، ولم يستطع لوط عليه السلام أن يستلب العقيدة الكافرة من زوجته، بل كانت كل من المرأتين تتآمر ضد زوجها - وهو الرسول - مع قومها، لذلك كان مصير كل منهما النار، والعبرة من القصة أن اختيار العقيدة هو أمر متروك للإنسان، فحرية العقيدة أساس واضح من أسس المنهج. وأيضا قال سبحانه في امرأة فرعون:

وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأت فرعون إذ قالت رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين

[التحريم: 11]. لم يذكر اسمها لأنه لا يهمنا في المسألة، المهم أنها امرأة من ادعى الألوهية، ومع ذلك لم يستطع أن يقنع امرأته بأنه إله. لكن حينما أراد أن يشخص قال في مريم عليها السلام:

ومريم ابنت عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين

[التحريم: 12]. لقد ذكرها الحق وذكر اسم والدها، ذلك لأن الحدث الذي حدث لها لن يتكرر في امرأة أخرى. فالذين يحاولون أن يقووا القصة بذكر تفاصيلها نقول لهم: أنتم تفقرون القصة فالمهم هو أن الحق سبحانه وتعالى يريد أن يقول: إنهم خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت.

ونريد أن نقف موقفا لغويا عند قول الحق: ﴿ ألم تر ﴾ [البقرة: 243]. أنت تقول لإنسان: ﴿ ألم تر ﴾ [البقرة: 243] يعني ألم ير بعينيه، وبالله هل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهل المؤمنون معه والمؤمنون بعده إلى أن تقوم الساعة رأوا هذه المسألة؟ لا. لقد وصلتهم بوسيلة السماع وليس بالرؤية. ونحن نعلم أن الرؤية تكون بالعين، والسماع يكون بالأذن، والتذوق يكون باللسان، والشم يكون بالأنف، واللمس يكون باليد، إن هذه هي الوسائل التي تعطي للعقل إدراكا وإحساسا لكي يعطي معنويات، وفي ذلك اقرأ قوله تعالى:

والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون

[النحل: 78]. إذن فوسيلة العلم تأتي من الحواس، وسيدة الحواس هي العين لأنه من الممكن أن تسمع شيئا من واحد بتجربته هو، لكن عندما ترى أنت بنفسك فتكون التجربة خاصة بك، ولذلك يقال: " ليس من رأى كمن سمع " ، فإذا أراد الحق أن يقول: ألم تعلم يا من أخاطبك بالقرآن خبر هؤلاء القوم؟ فهو سبحانه يأتي بها على هذه الصورة: ﴿ ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم ﴾ [البقرة: 243] ويعني ألم تعلم والعلم هنا بأي وسيلة؟ بالسمع. ولماذا لم يختصر سبحانه المسافة ويقول: " ألم تسمع " بدلا من " ألم تر "؟. إنه في قوله: " ألم تر " يخبرك بشيء سابق عن وجودك أو بشيء متأخر عن وجودك، فعليك أن تستقبله استقبالك لما رأيته لأن الله الذي خلق الحواس هو - سبحانه - أصدق من الحواس، ولذلك جاء قوله تعالى في سورة الفيل:

ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل

[الفيل: 1]. إننا نعرف أن النبي صلى الله عليه وسلم ولد في عام الفيل ولم ير هذه الحادثة فكيف يقول الله له ألم تر؟ إن المعنى من ذلك هو " ألم تعلم "؟ " ألم تسمع مني " ولم يقل " ألم تسمع "؟ لكي يؤكد له أنه سيقول له حدثا هو لم يره ولكن الحق سيخبره به، وإخبار الحق له كأنه يراه. فكأن الله يقول: إن هذه المسألة مفروغ منها وساعة أخبرك بها فكأنك رأيتها. ونحن نسمع في حياتنا قول الناس: إن فلانا ألمعي. ومعنى ذلك أنه يحدثك حديثا كأنه رأى أو سمع.

الألمعي الذي يظن بك الظن

كأن قد رأى وقد سمعا

ويحدثنا الحق عن هؤلاء القوم فيقول: ﴿ ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم ﴾ [البقرة: 243]. إنه سبحانه يخبرنا بأن الأمر الذي يفرون منه لاحق بهم، لأنه لا يحتاط من قدر الله أحد، لذلك أماتهم الله ثم أحياهم ليتعظوا.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤١٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤١٩