ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم
[النور: 22]. فإذا كنت تحب أن يغفر الله لك، أفلا تغفر لمن فعل معك سيئة؟.
وما دمت تريد أن يغفر الله لك فاغفر للناس خطأهم. قالها الحق عز وجل لأبي بكر لأنه وقف موقفا من رجل خاض في الإفك مع من خاض ومع ذلك يبلغه أن ذلك لا يصح. قوله تعالى: ﴿ ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا ﴾ [البقرة: 224] لا تقل: إني حلفت بالله على ألا افعل ذلك الخير، لا افعله فالله يرضى لك أن تحنث وتكفر عن يمينك. ﴿ ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس والله سميع عليم ﴾ [البقرة: 224]. إن الله عز وجل يبلغنا: أنا لا أريد أن تجعلوا الحلف بي عرضة، يعني حاجزا أو مانعا عن فعل الخير. مثلا لو طلب منك أن تبر شخصا أساء إليك فلا تقل: حلفت ألا أبر به لأنه لا يستحق، عندها تكون قد جعلت اليمين بالله مانعا للبر. وكأن الحق سبحانه وتعالى يريد أن يقول لك: لا، أنا متجاوز عن اليمين بي إن حلفت ألا تبر أو لا تتقي أو لا تصل رحما أو لا تصلح بين اثنين، أنا تسامحت في اليمين. والحديث يقول:
" من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه "
وهكذا يحمي الله سبحانه وتعالى فعل البر ويحمي التقوى ويحمي عمليات الإصلاح بين الناس، ولو كنت قد حلفت بالله ألا تفعلها، لماذا؟ لأنك عندما تحلف بالله ألا تفعل، وتجعل الله سبحانه وتعالى هو المانع، فقد ناقضت التشريع نفسه لأن الله هو الآمر بالبر والإصلاح والتقوى، فلا تجعل يمين البشر مانعا من تنفيذ منهج رب البشر. ﴿ ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس ﴾ [البقرة: 224] إن حلفت على ترك واجب وجب أن ترجع في اليمين. احنث فيه وكفر عنه، والحكم نفسه يسري على الذي يمنع ممتلكاته كالدابة أو الماكينة أو السيارة من انتفاع الناس بها بحجة أنه حلف ألا يعيرها لأحد، وذلك أمر يحدث كثيرا في الأرياف. ويختم الحق سبحانه وتعالى الآية بالقول الكريم: ﴿ والله سميع عليم ﴾ [البقرة: 224]. إنه سبحانه سميع باليمين الذي حلفته، وعليم بنيتك إن كانت خيرا أو شرا فلا تتخذ اليمين حجة لأن تمنع البر والتقوى والإصلاح. والحق سبحانه وتعالى عندما يتكلم عن اليمين يعطينا أصلا من أصول اعتبار اليمين هل هو يمين حقا أو لغو، ومن رحمة الله أنه سبحانه وتعالى لم يأخذ إلا اليمين الذي عقد القلب عليه، أي الذي يقصد صاحبه ألا يحنث فيه، أما لغو اليمين فقد تجاوز الله عنه. مثلا، الأيمان الدارجة على ألسنة الناس كقولهم: " والله لو لم تفعل كذا لفعلت معك كذا " ، " والله سأزورك " ، " والله ما كان قصدي " أو الحلف بناء على الظن كأن تحلف بقولك: " والله حدث هذا " وأنت غير متأكد من تمام حدوثه، لكن ليس في مقصدك الكذب. أما اليمين الغموس فهي الحلف والقسم الذي تعرف كذبه وتحلف بعكس ما تعرف، كأن تكون قد شاهدت واحدا يسرق أو يقتل وتحلف بالله أنه لم يسرق أو لم يقتل. من أجل ذلك كله يحسم الله سبحانه وتعالى هذه القضية بقوله: ﴿ لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم... ﴾.