" حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات ".
ويمتن الحق من بعد ذلك على خلقه أنه أهدى للإنسان الخليفة في الأرض عقلا يفكر به، وطاقة تنفذ تخطيط العقل، وكونا ماديا أمامه يتفاعل معه في الحركة: فالعقل يخطط، والطاقة تنفذ في المادة المخلوقة المسخرة لله. إذن فكل أدوات الحركة موجودة لله، وليس لك أيها الإنسان أن تخلق شيئا فيها إلا أن توجه طاقات مخلوقة للعمل في مادة مخلوقة، فأنت لا توجد شيئا. وبعد ذلك يطلب الحق منك أيها المسلم أن تحافظ على حركة الحياة، بأن تقدر للعاجز عن هذه الحركة نصيبا من حركتك لذلك فعليك أن تتحرك في الحياة حركة تسعك، وتسع من تعول، وتسع العاجز عن الحركة. وبذلك تؤمن السماء كل عاجز عن الحركة بحرية المتحركين من إخوانه المؤمنين، وهو سبحانه يطمئنك بأنك إذا فعلت ذلك وأمنت العاجز، فهو - جل وعلا - يؤمنك حين يطرأ عليك العجز. لقد جعل الله سبحانه حالة الحياة دولا بين الناس، فلا يوجد قوم قادرون دائما ولا قوم عاجزون دائما، بل يجعل الحق من القادرين بالأمس عاجزين اليوم ومن العاجزين بالأمس قادرين اليوم حتى تتوزع الحركة في الوجود. وحتى يعلم كل منا أن الله يطلب منك حين تقدر ليعطيك حين تعجز. لذلك طلب منا أن ننفق، والنفقة على الغير لا تتأتى إلا بعد استيفاء الإنسان ضروريات حياته، فكأن الحق يقول لك: إن عليك أن تتحرك في الحياة حركة تسعك وتسع أن تنفق على من تعول، وإلا لو تحركت حركة على قدرك فقد لا تجد ما تنفقه. وبعد ذلك يكلفنا سبحانه بأن كل مؤمن عليه أن يأخذ مسئولية الإنفاق على الدوائر القريبة منه ليتحمل كل موجود في الحياة مسئولية قطاع من المجتمع مربوط به رباطا نسبيا كالوالدين والأقربين. وأن نجعل الضعفاء من الأيتام مشاعا على المجتمع مطلوبين من الجميع. سواء كانت تربطهم بنا قرابة أو لا تربطنا بهم قرابة، فهم جميعا أقاربنا لأن الله كلفنا بأن نرعاهم. ولكن هل يمكن أن يستقر منهج الله دون أن يعاديه أحد؟ طبعا لا لذلك ينبهنا الحق إلى أننا سنجد أقواما لا يسعدهم أن يطبق منهج الله في الوجود لأنهم لا يعيشون إلا على مظالم الناس، هؤلاء قوم سيسوؤهم أن يطبق منهج الله، فلتنتبهوا لهؤلاء ولذلك فرض الحق سبحانه القتال حتى نمنع الفتنة بالكفر من الأرض لأن الكفر يعدد الآلهة في الكون وسيتبع كل إنسان الهوى، ويصبح إلهه هواه وستتعدد الآلهة بتعدد الأهواء، ولذلك كتب الله على المؤمنين القتال وقال:
وهو كره لكم
[البقرة: 216]، كل ذلك ليضمن لنا الغاية التي يريدها، وهي الدخول في السلم والسلام والإسلام كافة. وبعد ذلك يطلب منا أن نجاهد بأموالنا وأنفسنا وأن نهجر أوطاننا وأهلنا إن احتاجت إلى ذلك الحركة الإيمانية فقال:
إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمت الله والله غفور رحيم
[البقرة: 218]. ويلفتنا الحق بعد ذلك إلى قمة الجهاز التخطيطي في الإنسان ليحميه ويجعله جهازا سليما قادرا على التخطيط بصفاء وحكمة وقوة، وهو العقل، ويلفتنا بضرورة أن نمنع عن العقل كل ما يخمره أي يستره عن الحركة نمنع عنه الخمر لماذا؟ ليظل العقل كما يريده الله أداة الاختيار بين البدائل. وما دام العقل هو الذي يخطط للطاقة الموجودة في الإنسان لتعمل في المادة الموجودة في الكون، فيجب أن يظل هذا العقل المخطط سليما، فلا يحاول الإنسان أن يستره، ولا يقل أحد: " إني أستره من فرط زيادة المشكلات " ، لا: لأن المشكلات لا تريد عقلا واحدا منك فقط، ولكنها تريد عقلين، فلا تأتي للعقل الواحد لتطمسه بالخمر، فمواجهة المشكلات تقتضي أن نخطط تخطيطا قويا. وبعد ذلك يحذرنا الحق أن نأخذ من حركة الآخرين بغير عرق وبغير جهد، فيحذرنا من الميسر وهو الرزق السهل، والتحذير من الميسر إنما جاء ليضمن لكل إنسان أن يتحرك في الحياة حركة سليمة لا خداع فيها. وكأن كل ما تقدم هو من إشراقات قوله تعالى الحق: ﴿ في الدنيا والآخرة ﴾ [البقرة: 220] ومن بعد ذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿ ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح ولو شآء الله لأعنتكم إن الله عزيز حكيم ﴾ [البقرة: 220]. ونعرف أن اليتامى قد لا يدخلون في دائرة المحتاجين لكن الله ينبهنا إلى أن المسألة في اليتيم ليست مسألة احتياج إلى الاقتيات، ولكنه في حاجة إلى أن يعوضه بالتكافل الإيماني عما فقده من الأب، وذلك يمنع الحقد على الأطفال الذين لم يمت آباؤهم. وحين يجد اليتيم أن كل المؤمنين آباء له فيشعر بالتكافل الذي يعوضه حنان الأب ولا يعاني من نظرة الأسى التي ينظر بها إلى أقرانه المتميزين عليه بوجود آبائهم، وبذلك نخلع منه الحقد. وكان المسلمون القدامى يخلطون أموالهم بأموال اليتامى ليسهلوا على أنفسهم، وعلى أمر حركة اليتيم مئونة العمل، فلو أن يتيما دخل تحت وصاية إنسان، وأراد هذا الإنسان أن يجعل لليتيم القاصر حياة مستقلة وإدارة مستقلة ومسكنا مستقلا في الحياة لشق ذلك على نفس الرجل، ولذلك أذن الله أن يخلط الوصي ماله بمال اليتيم، وأن يجعل حركة هذا المال من ماله، بما لا يوجد عند الوصي مشقة ولما نزل قوله تعالى: