تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولهذا يرد الحق سهام المشركين في نحورهم ﴿ ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ﴾ [البقرة: 217] أي إياكم أن تعتقدوا أنهم سيحترمون الشهر الحرام ولا المكان الحرام، بل ﴿ ولا يزالون يقاتلونكم ﴾ أي وسيصرون، ويداومون على قتالكم ﴿ حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ﴾ [البقرة: 217]. وتأمل قوله: ﴿ إن استطاعوا ﴾ [البقرة: 217] إن معناها تحد لهم بأنهم لن يستطيعوا أبدا ف " إن " تأتي في الأمر المشكوك فيه. ويتبع الحق ﴿ ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ﴾ [البقرة: 217] سيظلون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا. ثم يختم الحق الآية بقضية يقول فيها: ﴿ ومن يرتدد منكم عن دينه ﴾ [البقرة: 217] هذه الآية يقابلها آية أخرى يقول الحق فيها:

ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين

[المائدة: 5]. وإذا قارنا بين الآيتين نجد أن الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها قد ورد فيها قوله: ﴿ فيمت وهو كافر ﴾ [البقرة: 217] وفي سورة المائدة لم يرد هذا وإنما ورد قوله:

ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله

[المائدة: 5] وقد اختلف العلماء في المسألة اختلافات جميلة. ولكنهم اتفقوا أولا على أن أي إنسان يرتد عن الإسلام ثم يموت مرتدا فقد حبطت أعماله. ولكن اختلافهم تركز فيما لو رجع وآمن مرة ثانية، أي لم يمت وهو كافر، بل رجع فآمن بعد ردته، فهل حبط عمله أم لم يحبط؟. وللإمام الشافعي رأي يقول: إن الذي يرتد عن الدين تحبط أعماله إن مات على الكفر، أما إن عاد وأسلم مرة أخرى فإن أعماله التي كانت قبل الارتداد تكون محسوبة له. والإمام أبو حنيفة له رأي مختلف فهو يقول: لا، إن آية سورة المائدة ليس فيها ﴿ فيمت وهو كافر ﴾ [البقرة: 217] وعليه فإننا نحملها على آية سورة البقرة التي ذكر فيها ذلك من باب حمل المطلق على المقيد، وعلى ذلك فالذي يكفر بعد إيمانه عمله محبط سواء رجع إلى الإيمان بعد ذلك أو لم يرجع، فلا يحتسب له عمل. أين موضوع الخلاف إذن؟. هي أن إنسانا آمن وأدى فريضة الحج ثم لا قدر الله كفر وارتد، ثم رجع فآمن أتظل له الحجة التي قام بها قبل الكفر أن تحبط ويطلب منه حج جديد؟ هذه هي نقطة الخلاف. فالشافعي يرى أنه لا يحبط عمله ما دام قد رجع إلى الإيمان لأن الله قال: ﴿ فيمت وهو كافر ﴾ [البقرة: 217] فمعنى ذلك أنه إن لم يمت على الكفر فإن عمله لا يحبط. ولكن لا يأخذ ثوابا على ذلك الحج الذي سبق له أن أداه، لقد التفت الإمام الشافعي رضي الله عنه إلى شيء قد يغفل عنه كثر من الناس، وهو أن الحج ركن من أركان الإسلام، فالذي لا يحج وهو قادر على الحج فالله يعاقبه على تقصيره، والذي حج لا يعاقب ويأخذ ثواب فعله.

فكأن الأعمال التي طلبها الحق سبحانه وتعالى إن لم تفعلها وكانت في استطاعتك عوقبت، وإن فعلتها يمر عملك بمرحلتين، المرحلة الأولى هي ألا تعاقب، والمرحلة الثانية هي أن تثاب على الفعل. فالشافعي قال: إن الشخص إذا فعل فعلا يثاب عليه الإنسان، ثم يكفر، ثم عاد إلى الإسلام فهو لا يعاقب، ولكنه لا يثاب. أما الإمام أبو حنيفة فقد قال: إنه لا عبرة بعمله الذي سبق الردة مصداقا لقوله تعالى: ﴿ حبطت أعمالهم ﴾ [البقرة: 217] أي بطلت وزالت، وكأنها لم تكن. إن القرآن استخدم هنا كلمة " حبط " ، وهي تستخدم تعبيرا عن الأمر المحسوس، فقال: " حبطت الماشية " أي أصابها مرض اسمه الحباط، لأنها تأكل لونا من الطعام تنتفخ به، وعندما تنتفخ فقد تموت. والنبي عليه الصلاة والسلام يقول:

" إن مما ينبت الربيع ما يقتل حبطا أو يلم ".

إنه صلى الله عليه وسلم يحذرنا من أن الخير قد يندس فيه شر، مثلما يحدث في الربيع الذي ينبت فيه من النبات الذي يعجب الماشية فتأكله فيأتيها مرض " الحباط " ، فتنتفخ ثم تموت، أو " يلم " أي توشك أن تموت، وكذلك الأعمال التي فعلها الكفار تصبح ظاهرة مثل انتفاخ البطن، وكل هذه العمليات الباطلة ستحبط كما تحبط الماشية التي أكلت هذا اللون من الخضر، ثم انتفخت فيظن المشاهد لها أنها سمنة وبعد ذلك يفاجأ بأنه مرض. لقد أعطانا الله من هذا القول المعنى المحسوس لتشابه الصورتين فالماشية عندما تحبط تبدو وكأنها نمت وسمنت، لكنه نمو غير طبيعي إنه ليس شحما أو لحما، لكنه ورم، كذلك عمل الذين كفروا عمل حابط، وإن بدا أنهم قد قاموا بأعمال ضخمة في ظاهرها أنها طيبة وحسنة. ويقول بعض الناس: وهل يعقل أن الكفار الذين صنعوا إنجازات قد استفادت منها البشرية، هل المعقول أن تصير أعمالهم إلى هذا المصير؟. لقد اكتشفوا علاجا لأمراض مستعصية وخففوا آلام الناس، وصنعوا الآلات المريحة والنافعة. ونقول لأصحاب مثل هذا الرأي: مهلا، فهناك قضية يجب أن نتفق عليها وهي أن الذي يعمل عملا فهو يطلب الأجر ممن عمل له، فهل كان هؤلاء يعملون وفي بالهم الله أم في بالهم الإنسان والمجد والشهرة؟ لقد أعطتهم الإنسانية والمجد والشهرة، وما داموا قد نالوا هذا الأجر في الدنيا فليس لهم أن ينتظروا أجرا في الآخرة. لذلك يقول الحق:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٧٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٧٣