وعلى العامل ألا ينظر إلى مراقبة صاحب العمل، وليكن هو رقيبا على نفسه، والله عز وجل يراقب الجميع، وقد جاء في الحديث القدسي
" " إن كنتم تعتقدون أني لا أراكم فالخلل في إيمانكم، وإن كنتم تعتقدون أني أراكم فلم جعلتموني أهون الناظرين إليكم؟ ".
والمتأمل في حركة الحياة يجدها متداخلة، فمثلا لو أردت بناء بيت، فالهندسة حركة، والبناء حركة، والكهرباء حركة، والنجارة حركة، وهكذا..، فلو قلنا: إن هذا العمل يتكون من مائة حركة مثلا، فإنك لا تملك منها إلا حركة واحدة هي عملك الذي تتقنه، والباقي حركات لغيرك، فإن أخلصت فيما للناس عندك ألهمهم الله أن يخلصوا لك ولو عن غير قصد، فأنت أخلصت وأتقنت حركة واحدة، وأخلص الناس لك في تسع وتسعين حركة. واعلم أن الخواطر والأفكار بيد الله سبحانه، فإن راقبت الله فيما للناس عندك راقبهم الله لك فيما لك عندهم، وكفاك مؤنة المراقبة، فقد يصنع لك الصانع شيئا، ويريد أن يغشك فيه فيحول الله بينه وبين هذا ربما يجلس معه أحد معارفه فيستحي أن يغش أمامه، أو لا يجد الشيء الذي يغشك به، أو غير ذلك من الأسباب التي يسخرها الله لك، فيتقن لك الصانع صنعته، ولو رغما عن إرادته. إذن: إن أردت صلاح أمرك فأصلح أمور الآخرين. ومن الأساسيات التي نصلح بها ونرث الأرض أن ننظر إلى الناس جميعا على أنهم سواسية، لا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى والعمل الصالح، فليس فينا من هو ابن لله عز وجل، وليس منا من بينه وبين الله قرابة، قال تعالى:
إن أكرمكم عند الله أتقاكم..
[الحجرات: 13]. والإسلام لا يعرف الطبقية إلا في إتقان العمل، فقيمة كل امرىء ما يحسنه، وقد ضربنا لذلك مثلا، وما نزال نذكره مع أنه لرجل غير مسلم، إنه رجل فرنسي كان نقيبا للعمال، وكان يدافع عن حقوقهم، ويطلب لهم زيادة الدخل من ميزانية الوزارة، فلما تولى منصب الوزارة وتولى المسئولية عدل عما كان يطالب به، فضج العمال، وأراد أحدهم أن يغيظه فقال له: اذكر يا معالي الوزير أنك كنت في يوم من الأيام ماسح أحذية، فما كان من الرجل إلا أن قال: نعم.. لكني كنت أجيدها. وسبق أن ذكرنا أن الله تعالى وزع المواهب والقدرات بين خلقه، فساعة ترى نفسك مميزا على غيرك في شيء فلا تغتر به، وابحث فيما ميز به عنك غيرك لأننا جميعا عند الله سواء، لا يحابي منا أحدا على أحد، فأنت مميز بعلمك أو قوتك، وغيرك أيضا مميز في سعادته مع أهله أو في أمانته وثقة الناس به، أو في رضاه بما قسم له أو في مقدرته على نفسه ورضاه بالقليل، وقد يميز الواحد منا بالولد الصالح الذي يكون مطواعا لأبيه، وقرة عين له.
إذن: هذه مسألة مقدرة محسوبة لأن ربك سبحانه قيوم عليك، لا تخفى عليه منك خافية، وحين يميز بعضنا على بعض إنما ليدك فينا الغرور والكبرياء، وينزع من قلوبنا الحقد والغل، وهكذا يتوازن المجتمع، ولا يكون التميز مثار حقد لأن تميز غيرك لصالحك، وسيعود عليك. والحق - سبحانه وتعالى - يحدثنا عن يوم القيامة، وكيف أن الشمس ستدنو من الرؤوس، ويشتد بالناس الكرب، إلا هؤلاء الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، ذلك لأنهم كانوا مظلة أمان في الدنيا، فأظلهم الله في الآخرة. كما جاء في الحديث الشريف:
" سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلق في المساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله، ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه ".
نعم، لقد صنع هؤلاء بسلوكهم القويم مظلة أمان في الكون، فاستحقوا مظلة الله في الآخرة. وبمثل هؤلاء يتوازن المجتمع المسلم ويرقى إلى القمة، هذا المجتمع الذي نريده هو مجتمع غنيه متواضع، وفقيره كريم شريف، وشابه طائع. يقول رب العزة سبحانه في الحديث القدسي: