ألم تر كيف فعل ربك بعاد * إرم ذات العماد * التي لم يخلق مثلها في البلاد * وثمود الذين جابوا الصخر بالواد * وفرعون ذى الأوتاد
[الفجر: 6-10]. إنها حضارات راقية دفنت تحت أطباق التراب، لا نعرف حتى أماكنها. أما إن أخذت الصلاح المعنوي، الصلاح المنهجي من الله عز وجل فسوف تحوز به الدنيا والآخرة ذلك لأن حركة الحياة تحتاج إلى منهج ينظمها: افعل كذا ولا تفعل كذا. وهذا لا يقوم به البشر أما رب البشر فهو الذي يعلم ما يصلحهم ويشرع لهم ما يسعدهم. إن منهج الله وحده هو الذي يأمرنا وينهانا، ويخبرنا بالحلال والحرام، وعلينا نحن التنفيذ، وعلى الحكام وأولياء الأمر الممسكين بميزان العدل أن يراقبوا مسألة التنفيذ هذه، فيولوا من يصلح للمهمة، ويقوم بها على أكمل وجه، وإلا فسد حال المجتمع، الحاكم يشرف ويراقب، يشجع العامل ويعاقب الخامل، ويضع الرجل المناسب في مكانه المناسب. فعناصر الصلاح في المجتمع: علماء يخططون، وحكام ينفذون، ويديرون الأمور، وكلمة حاكم مأخوذة من الحكمة بالفتح وهي: اللجام الذي يكبح الفرس ويوجهها. لذلك جاء في الحديث الشريف:
" من ولى أحدا على جماعة، وفي الناس خير منه لا يشم رائحة الجنة ".
لماذا؟ لأن ذلك يشيع الفساد في الأرض، ويثبط العزائم العالية والهمم القوية حين ترى من هو أقل منك كفاءة يتولى الأمر، وتستبعد أنت.
أما حين تعتد كفة الميزان فسوف يجتهد كل منا ليصل إلى مكانه المناسب. إذن: مهمة الحكام وولاة الأمر ترقية المجتمع، فلا نقول لحاكم مثلا يعد لنا طعاما، أو يصنع لنا آلة، فليست هذه مهمته، ولقد رأينا أحد الأمراء وكان له أرض يزرعها، يتولاها أحد الموظفين يقولون له الخولي ومهمة الخولي الإشراف والمراقبة. وفي يوم جاء الأمير ليباشر أرضه ويتفقد أحوالها في صحبة الخولي، وفي أثناء جولتهما بالأرض رأى الخولي قناة ينساب منها الماء حتى أغرق الزرع فنزل وسد القناة بنفسه. وعندها غضب الأمير وفصله من عمله لأنه عمل بيده في حين أن مهمته الإشراف ولديه من العمال من يقوم بمثل هذا العمل. لكن لماذا هذه النظرة في إدارة الأعمال؟ قالوا: لإنك إن عملت بيدك فأنت واحد، لكن إن أشرفت فيمكن أن تشرف على آلاف من العمال. ومن هنا جاءت مسألة التخصص في الأعمال. وعلى الحاكم وولي الأمر أن يحافظ على منهج الله، ويتابع تطبيق الناس له، فيقف أمام أي فساد، ويأخذ على يد صاحبه، ويثيب المجتهد العامل، كما جاء في قوله تعالى في قصة القرنين:
قال أما من ظلم فسوف نعذبه ثم يرد إلى ربه فيعذبه عذابا نكرا * وأما من آمن وعمل صالحا فله جزآء الحسنى وسنقول له من أمرنا يسرا
[الكهف: 87-88]. ذلك، لأن الله تعالى يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن، ولو تركنا أهل الفساد والمنحرفين لجزاء القيامة لفسد المجتمع، لا بد من قوة تصون صلاح المجتمع، وتضرب على أيدي المفسدين، لا بد من قوة تمنع من يتجرؤون علينا ويطالبون بتغيير نظامنا الإسلامي. لذلك يقول تعالى:
وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم..
[الأنفال: 60] لا بد أن يعلم العدو أن لديك الرادع الذي يردعه إن اعتدى عليك أو حاول إفساد صلاح المجتمع. لذلك، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول في الحديث إن السهم الذي يرمى في سبيل الله، لكل من شارك في إعداده ورمية جزء من الثواب، فالذي قطعه من الشجرة والذي براه، والذي وضعه في القوس ورمى به لأن في ذلك صيانة للحق وصيانة للصلاح حتى يدوم، ولا يفسده أحد. والمسئولية هنا لا تقتصر على الحكام وولاة الأمر، إنما هي مسئولية كل فرد فيمن ولي أمرا من أمور المسلمين، كما جاء في الحديث:
" كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته: فالأمير الذي على الناس راع وهو مسئول عن رعيته، والرجل راع على أهل بيته وهو مسئول عنهم، والمرأة راعية على بيت بعلها وولده وهي مسئولة عنهم، والعبد راع على مال سيده وهو مسئول عنه، ألا فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته ".