وكثيرا ما نرى الناس يغضبون وينقمون على قضاء الله إن رزقهم بمولود فيه عيب أو إعاقة، ووالله لو رضيت به وتقبلت قضاء الله فيه، لكان هو الظل الظليل لك. فهؤلاء خلقوا هكذا لحكمة، حتى لا نتمرد على صنعة الله في كونه، وحتى يشعر أهل النعمة والسلامة والصحة بفضل الله عليهم، ولنعلم أن الله تعالى لا يسلب شيئا من عبده إلا وقد أعطاه عوضا عنه. ولك أن تلاحظ مثلا أحوال الناس المجاذيب الذين تراهم في أي مكان مهملين يستقلهم الناس، وينفرون من هيئتهم الرثة، ومع ذلك ترى أصحاب الجاه والسلطان إذا نزلت بهم ضائقة وأعيتهم الأسباب يلجئون لمثل هؤلاء المجاذيب يلتمسون منهم البركة والدعاء، وهذا في حد ذاته أسمى ما يمكن أن يتطلع إليه أهل الجاه وأهل السلطان والنفوذ، أن تكون كلمتهم مسموعة وأمرهم مطاعا، وأن يلجأ الناس إليهم كما لجئوا إلى هذا المجذوب المسكين. فإذا ما أجرى الله الخير على يد هذا الشيخ المجذوب ترى السيد العظيم يتمحك فيه، ويدعوه إلى طعامه، ويدفع عنه أذى الناس ويحتضنه، لأنه جرب وعلم أن لديه فيضا من فيض الله وكرامة يختص الله بها من يشاء من عباده، ونحن جميعا عباد الله ليس فينا من هو ابن لله، أو بينه وبين الله قرابة. وإن كان العقل هو أعز ما يعتز به الإنسان، وهو زينته وحليته، فلك أن تنظر إلى المجنون الذي فقد العقل، وحرم هذه الآلة الغالية، وترى الناس يشيرون إليه: هذا مجنون، نعم هو مجنون، لكن انظر إلى سلوكه: هل رأيتم مجنونا يسرق؟ هل رأيتم مجنونا يزني؟ هل رأيتم مجنونا انتحر؟ إذن: مع كونه مجنونا إلا أنه مدرك لنفسه تماما لأن خالقه عز وجل وإن سلبه العقل إلا أنه أعطاه غريزة تحكمه كما تحكم الغريزة الحيوان، وهل رأيتم حمارا ألقى بنفسه مثلا أمام القطار؟ إذن: علينا ألا نحقر هؤلاء، وألا نستقل بهم فقد عوضهم الله عما سلبه منهم، ومنا من يسعى ليصل إلى ما وصلوا هم إليه ولا يستطيع، ومن منا لا يتمنى أن يكون مثل هذا المجذوب الذي يتمسح الناس فيه، ويطلبون منه البركة والدعاء؟ وأي عظمة يطلبها الإنسان فوق هذا؟ ويكفي هذا أنه لا يسأل عما يفعل في الدنيا، ولا يسأل كذلك في الآخرة. نعود إلى قول الله تعالى: ﴿ إن هذه أمتكم أمة واحدة.. ﴾ [الأنبياء: 92] فمن معاني أمة: الرجل الذي جمع خصال الخير كلها لذلك وصف الله نبيه إبراهيم بأنه أمة، فقال:
إن إبراهيم كان أمة..
[النحل: 120]. يعني: جمع من خصال الخير ما لا يوجد إلا في أمة كاملة. والأمة لا تكون واحدة، إلا إذا صدر تكوينها المنهجي عن إله واحد، فلو كان تكوينها من متعدد لذهب كل إله بما خلق، ولعلا بعضهم على بعض، ولفسد الحال.
إذن: كما قال سبحانه:
ولو اتبع الحق أهوآءهم لفسدت السماوات والأرض..
[المؤمنون: 71]. فلا تكون الأمة واحدة إلا إذا استقبلت أوامرها من إله واحد وخضعت لمعبود واحد، فإن نسيت هذا الإله الواحد تضاربت وتشتتت. وكأن الحق سبحانه يقول: أنتم ستجربون أمة واحدة، تسودون بها الدنيا وتنطلق دعوتكم من أمة أمية لا تعرف ثقافة، ولا تعرف علما، ولم تتمرس بحكم الأمم لأنها كانت أمة قبلية، لكل قبيلة قانونها وسيادتها وقيادتها. ثم ينزل لكم نظام يجمع الدنيا كلها بحضاراتها، نظام يطوي تحت جناحه حضارة فارس وحضارة الروم ويطوعها، ولو أنكم أمة مثقفة لقالوا قفزة حضارية، إنما هذه أمة أمية، ونبيها أيضا أمي إذن: فلا بد أن يكون المنهج الذي جاء به ليسلب هذه الحضارات عزها ومجدها منهجا أعلى من كل هذه المناهج والحضارات. ثم يقول تعالى: ﴿ وأنا ربكم فاعبدون ﴾ [الأنبياء: 92] أي: التزموا بمنهجي لتظلوا أمة واحدة، واختار صفة الربوبية فلم يقل: إلهكم لأن الرب هو الذي خلق ورزق وربى، أما الإله فهو الذي يطلب التكاليف. فالمعنى: ما دمت أنا ربكم الذي خلقكم من عدم، وأمدكم من عدم، وأنا القيوم على مصالحكم، أكلؤكم بالليل والنهار، وأرزق حتى العاصي والكافر بي، فأنا أولى بالعبادة، ولا يليق بكم أن أصنع معكم هذا كله وتذهبون إلى إله غيري، هذا منطق العقل السليم، وكما يقولون اللي يأكل لقمتي يسمع كلمتي. ومن العبادة أن تطيع الله في أمره ونهيه لأن ثمرة هذه الطاعة عائدة عليك بالنفع، فلله تعالى صفات الكمال الأزلي قبل أن يخلق من يطيعه، فطاعتك لن تزيد شيئا في ملك الله، ومعصيتك لن تنتقص منه شيئا. إذن: فالأمر راجع إليك، وربك يثيبك على فعل هو في الحقيقة لصالحك. لكن، هل سمع الناس هذا النداء وعملوا بمقتضاه، فكانوا أمة واحدة كهذه الأمة التي أدخلت الدنيا في رحاب الإسلام في نصف قرن؟ هذه الأمة التي ما زلنا نرى أثرها في البلاد التي تمردت على العروبة، وعلى لغة القرآن، ومع ذلك هم مسلمون على لغاتهم وعلى حضارتهم، إن الدين الذي يصنع هذا ، والأمة الواحدة التي تحملت هذه المسئولية ما كان ينبغي أن نتخلى عنها. والسؤال: هل بقيت الأمة الواحدة؟ تجيب الآيات: ﴿ وتقطعوا أمرهم... ﴾.