ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة
[الأنفال: 42]. فكل شيء في الوجود له حياة بقانونه، وليس من الضروري أن تسمع الكلام حتى تعترف بوجوده، فهناك مثلا لغة الإشارة، وهي لغة مفهومة ومعبرة، ألا ترى مثلا إلى الخادم ينظر إليه سيده مجرد نظرة يفهم منها ما يريد أن يقدمه للضيف مثلا. البحارة لهم إشارات يتعارفون عليها ويتفاهمون بها. جهاز التلغراف لون من ألوان الأداء ووسيلة من وسائل التفاهم، إذن: الأداء والبيان ليس من الضروري أن يتم بالكلام المسموع، إنما تتفاهم الأجناس ويكلم بعضها بعضا كل بلغته، فإذا أراد الله أن يفيض عليك من إشراقاته أعطاك من البصيرة والعلم ما تفهم به لغات غيرك من الأجناس.
لذلك يقول تعالى:
كل قد علم صلاته وتسبيحه..
[النور: 41] والتنوين هنا دال على التعميم، فلكل شيء صلاته التي تناسبه، وتسبيحه الذي يناسب طبيعته. والحق - سبحانه وتعالى - حين يعرض قضية التسبيح والخضوع والقهر من المخلوقات جميعا لله يأتي الكلام عاما في كل الأجناس بلا استثناء، إلا في الكلام عن الإنسان، فإن التسبيح والخضوع خاص ببعض الناس. اقرأ قوله تعالى:
ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدوآب..
[الحج: 18] هكذا بلا استثناء، أما في الإنسان، فقال:
وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب ومن يهن الله فما له من مكرم إن الله يفعل ما يشآء
[الحج: 18]. ثم يقول تعالى: ﴿ وكنا فاعلين ﴾ [الأنبياء: 79] نعم، الحق سبحانه خالق كل شيء، وفاعل كل شيء، لكن مع ذلك يؤكد هذه الحقيقة حتى لا نتعجب من تسبيح الطير والجماد، فالله هو الفاعل، وهو المانح والمحرك. ثم يقول الحق سبحانه عن داود عليه السلام: ﴿ وعلمناه صنعة لبوس... ﴾.