يأيها الناس علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شيء..
[النمل: 16] ولولا أن الله علمه لغة الطير ما علمها. وها هو الهدهد يقول لسليمان عليه السلام لما تفقد الطير، ولم يجد الهدهد فتوعده:
أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبإ بنبإ يقين
[النمل: 22]. ونلحظ هنا دقة سليمان - عليه السلام - في استعراض مملكته، فلم يترك شيئا حتى الهدهد، ونلحظ أدبه في قوله:
مالي لا أرى الهدهد أم كان من الغآئبين
[النمل: 20] فقد اتهم نظره وشك أولا، فربما الهدهد يكون موجودا، ولم يره سليمان. وانظر إلى قول الهدهد للملك:
أحطت بما لم تحط به..
[النمل: 22] ثم معرفته الدقيقة بقضية التوحيد والعقائد:
وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله..
[النمل: 24]. ويعترض الهدهد على هذا الشرك، ويرد عليه بشيء خاص به، وبظاهرة تهمه:
ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السماوات والأرض..
[النمل: 25]. فاختار الهدهد مسألة إخراج الخبء لأن منه طعامه، فلا يأكل من ظاهر الأرض، بل لا بد أن ينبش الأرض، ويخرج خبأها ليأكله. وكذلك النمل، وهو أقل من الهدهد، فقد كان للنملة مع سليمان لغة، وكلام، وفهم عنها:
حتى إذآ أتوا على واد النمل قالت نملة يأيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون * فتبسم ضاحكا من قولها..
[النمل: 19]. إذن: كان الكلام للنمل، لكن فهمه سليمان لذلك قال:
رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي..
[النمل: 19]. ذلك لأننا لا نفهم هذه اللغات إلا إذا فهمنا الله إياها. ومع هذا حينما وقف العلماء أمام هذه الآية { وسخرنا مع داوود الجبال يسبحن.
. } [الأنبياء: 79] قالوا: يعني تسبيح دلالة، فهي بحالها تدل على الخالق سبحانه، وليس المراد التسبيح على حقيقته، وأولى بهم أن يعترفوا لها بالتسبيح لكنه تسبيح لا نفهمه نحن، كما قال تعالى:
ولكن لا تفقهون تسبيحهم..
[الإسراء: 44]. والآن نرى في طموحات العلماء السعي لعمل قاموس للغة الأسماك ولغة بعض الحيوانات، ولا نستبعد في المستقبل عمل قاموس للغة الأحجار والجمادات، وإلا فكيف ستكون ارتقاءات العلم في المستقبل؟ وهذه حقيقة أثبتها القرآن تنتظر أن يكتشفها العلم الحديث. والمزية التي أعطاها الله تعالى لنبيه داود - عليه السلام - ليست في تسبيح الجبال لأن الجبال تسبح معه ومع غيره، إنما الميزة في أنها تردد معه، وتوافقه التسبيح، وتجاوبه، فحين يقول داود: سبحان الله تردد وراءه الجبال: سبحان الله، وكأنهم جميعا كورس يردد نشيدا واحدا. وليس معنى الجماد أنه جامد لا حياة فيه، فهو جماد من حيث صورة تكوينه، ولو تأملت المحاجر في طبقات الأرض لوجدت بين الأحجار حياة وتفاعلا وحركة منذ ملايين السنين، ونتيجة هذه الحركة يتغير لون الحجر وتتغير طبيعته، وهذا دليل الحياة فيها، انظر مثلا لو دهنت الحجرة لونا معينا تراه يتغير مع مرور الزمن، إذن: في هذه الجمادات حياة، لكن لا ندركها. وسبق أن أشرنا إلى أن الذين يقولون في معجزات النبي صلى الله عليه وسلم أنه سبح الحصى في يده. أن هذه المقولة غير دقيقة تحتاج إلى تنقيح عقلي، فالحجر مسبح في يد رسول الله، وفي يد أبي جهل، إذن: قل: إن المعجزة هي أن رسول الله سمع تسبيح الحصى في يده. فما من شيء في كون الله إلا وله حياة تناسبه، وله لغة يسبح الله بها، أدركناها أم لم ندركها لأن الكلام فرع وجود حياة، وكل شيء في الوجود له حياة، فعلبة الكبريت هذه التي نستعملها يقول العلماء: إن بين ذراتها تفاعلات تكفي لإدارة قطار حول العالم. هذه التفاعلات دليل حركة وحياة. ألم يقل الحق سبحانه وتعالى:
كل شيء هالك إلا وجهه..
[القصص: 88]. فكل ما يقال له شيء - إلا وجه الله - هالك، والهلاك يعني أن فيه حياة لأن الهلاك ضد الحياة، كما جاء في قوله تعالى: