وعملية " الزلزلة " مثل ذلك تماما، ففيها يصاب الشيء بالارتجاج للأمام والخلف، أو لليمين واليسار، وفي أي جهتين متعاكستين. و " وزلزلوا " يعني أصابتهم الفاجعة الكبرى، الملهية، المتكررة، وهي لا تتكرر على نمط واحد، إنما يتعدد تكرارها، فمرة يأخذها الإيمان، ثم تأخذها المصائب والأحداث، وتتكرر المسألة حتى يقول الرسول صلى الله عليه وسلم والذين آمنوا معه: ﴿ متى نصر الله ﴾ [البقرة: 214]؟ ويأتي بعده القول: ﴿ ألا إن نصر الله قريب ﴾ [البقرة: 214] فهل يتساءلون أولا، ثم يثوبون إلى رشدهم ويردون على أنفسهم ﴿ ألا إن نصر الله قريب ﴾ [البقرة: 214] أم أن ذلك إيضاح بأن المسألة تتأرجح بين ﴿ متى نصر الله ﴾ [البقرة: 214] وبين ﴿ ألا إن نصر الله قريب ﴾ [البقرة: 214]؟. لقد بلغ الموقف في عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم من الاختيار والابتلاء إلى القمة، ومع ذلك واصل الرسول صلى الله عليه وسلم والذين معه الاستمساك بالإيمان. لقد مستهم البأساء والضراء وزلزلوا، أي أصابتهم رجفة عنيفة هزتهم، حتى وصل الأمر من أثر هذه الهزة أن ﴿ يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب ﴾ [البقرة: 214]. إن مجيء الأسلوب بهذا الشكل ﴿ متى نصر الله ﴾ [البقرة: 214] يعني استبطاء مجيء النصر أولا، ثم التبشير من بعد ذلك في قوله الحق: ﴿ ألا إن نصر الله قريب ﴾ [البقرة: 214]. ولم يكن ذلك للشك والارتياب فيه. وهذا الاستبطاء، ثم التبشير كان من ضمن الزلزلة الكبيرة، فقد اختلطت الأفكار: أناس يقولون: ﴿ متى نصر الله ﴾ [البقرة: 214] فإذا بصوت آخر من المعركة يرد عليهم قائلا: ﴿ ألا إن نصر الله قريب ﴾ [البقرة: 214]. وسياق الآية يقتضي أن الذين قالوا: ﴿ متى نصر الله ﴾ [البقرة: 214] هم الصحابة، وأن الذي قال: ﴿ ألا إن نصر الله قريب ﴾ [البقرة: 214] هو رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم ينتقل الحق سبحانه وتعالى بعد ذلك إلى قضية أخرى، هذه القضية شاعت في هذه الصورة وهي ظاهرة سؤال المؤمنين عن الأشياء، وهي ظاهرة إيمانية صحية، وكان في استطاعة المؤمنين ألا يسألوا عن أشياء لم يأتي فيها تكليف إيماني خوفا من أن يكون في الإجابة عنها تقييد للحركة، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" ذروني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه ".
ورغم ذلك كانوا يسألون عن أدق تفاصيل الحياة، وكانت هذه الظاهرة تؤكد أنهم عشقوا التكليف من الله فهم يريدون أن يبنوا كل تصرفاتهم بناء إسلاميا، ويريدون أن يسألوا عن حكم الإسلام في كل عمل ليعملوا على أساسه. يقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿ يسألونك ماذا ينفقون... ﴾.