جزآء وفاقا
[النبأ: 26]. وما دام المحاسب هو الله سبحانه وتعالى، وهو لا ينتفع بما يقضيه على الخلق، فمن رحمته بنا ونعمته علينا أن حذرنا من أسباب الهلاك، ولم يأخذنا على غفلة، ولم يفاجئنا بالحساب على غرة، إنما أبان لنا التكاليف، وأوضح الحلال والحرام، وأخبرنا بيوم الحساب لنستعد له، فلا نسير في الحياة على هوانا. فقال سبحانه:
فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره
[الزلزلة: 7-8]. فمن رحمته تعالى بعباده أن وعدهم هذا الوعد، وعرفهم هذا الميزان وهم في سعة الدنيا، وإمكان تدارك الأخطاء، واستئناف التوبة والعمل الصالح، من رحمته بنا أن يعظنا هذه الموعظة ويكررها على أسماعنا ليل نهار. إذن: ما أخذنا ربنا على غرة، ولم تفاجئنا القيامة بأهوالها، فمن الآن اعلم ﴿ اقترب للناس حسابهم.. ﴾ [الأنبياء: 1] وما دام الأمر كذلك فعلى الإنسان أن يقدر قدر الاقتراب، ومتى سينتقل إلى يوم الحساب، ولا تظن أن عمرك هو عمر الدنيا منذ خلقها الله، إنما عمرك ودنياك على قدر مكثك فيها، وهو مكث مظنون غير متيقن، فمن الخلق من عمر دهرا، ومنهم من مات في بطن أمه. إذن: لا تؤجل لأنك لا تدري، أيمهلك الأجل حتى تتوب؟ أم يعاجلك فتؤخذ بذنبك؟ والحق سبحانه يقول: { اقترب للناس حسابهم.
. } [الأنبياء: 1] مع أن الساعة ما زالت بعيدة، وبيننا وبين القيامة ما لا يعلمه إلا الله. فكيف ذلك؟ قالوا: لأن الحساب إنما يكون على الأعمال، والأعمال لها وقت هو الدنيا، فمن مات فقد انقطع عمله، واقترب وقت حسابه لأن المدة التي يقضيها في القبر لا يشعر بها، فكأنها ساعة من نهار. فإن قلت: من الناس من يعيش مائة عام، ومائة وخمسين عاما. نقول: هذا شيء ظني لا نضمنه، والإنسان عرضة للموت في أي لحظة لسبب أو دون سبب. ونلحظ في قوله تعالى: ﴿ اقترب للناس حسابهم.. ﴾ [الأنبياء: 1] فقال للناس مع أن الحساب لهم وعليهم، فهل معنى للناس أي: لمصلحتهم؟ لا يبدو ذلك لأنه قال بعدها: ﴿ وهم في غفلة معرضون ﴾ [الأنبياء: 1]. إذن: الحساب ليس في مصلحتهم إنما الحساب عليهم، إذن: كيف يكون ف مثل هذا السياق ﴿ اقترب للناس حسابهم.. ﴾ [الأنبياء: 1] ما دام الأمر على الكفار؟ كان المفروض أن يقول: اقترب على الناس حسابهم. نقول: هذا إذا أخذت اللام للحساب، إنما اللام هنا للاقتراب، لا للحساب، أي: اقترب من الناس، إنما الحساب لهم أو عليهم، هذه مسألة أخرى. وقوله: ﴿ وهم في غفلة معرضون ﴾ [الأنبياء: 1] الغفلة معناها: زحزحة الشيء عن بال الواجب ألا يزحزح عنه، فكان الواجب أن يتذكره ولا يغفل عنه، والغفلة غير النسيان لأن الغفلة أن تهمل مسألة كان يجب ألا تهمل، وألا تغيب عن بالك، أما النسيان فخارج عن إرادتك. وغفلتهم هنا عن أصل وقمة الدين، وهو الإيمان بالألوهية، فإن آمنت بالألوهية فالغفلة عن الأحكام التي جاء بها الدين، وهذه هي المعاصي، والكلام هنا عن الكافرين بدليل قوله بعدها:
ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث..
[الأنبياء: 2] والغفلة عن الرب الأعلى مثلها الغفلة عن حكم الرب الأعلى، وفرق بين غفلة وغفلة. وقد حدث النبي صلى الله عليه وسلم صحابته عن هذه الغفلة، كما روى سيدنا حذيفة بن اليمان قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثين، قد رأيت أحدهما وأنا أنتظر الآخر. حدثنا أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال والأمانة هي الإيمان الحق بالله، أي: حل الإيمان، واستقر في القلب، ونطقنا بالشهادة ثم نزل القرآن، فعلموا من القرآن، وعلموا من السنة ثم حدثنا عن رفع الأمانة فقال: ينام الرجل النومة، فتقبض الأمانة من قلبه أي: يغفل الغفلة فيظل أثرها مثل أثر الوكت الوكت: مثل سيجارة مثلا تقع على الجلد فلسعته، فيتغير لونه ثم ينام النومة أي: مرة أخرى فتقبض الأمانة من قلبه، فيظل أثرها مثل أثر المجل والمجل: جمرة النار فنفط فتراه منتبرا عاليا، وليس به شيء أي: انتفخ فيصبح الناس أي: بعد رفع الأمانة يتبايعون فلا يكاد يوجد أحد منهم يؤدي الأمانة حتى يقال: إن في بني فلان رجلا أمينا لندرة الأمانة بين الناس.