20.116
الحق - تبارك وتعالى - يقص علينا قصة آدم عليه السلام، لكن نلاحظ أنه سبحانه أعطانا مجمل القصة وموجزها في قوله تعالى:
ولقد عهدنآ إلى ءادم من قبل فنسي ولم نجد له عزما
[طه: 115] وأصل القصة وترتيبها الطبيعي أنه سبحانه يقول: خلقت آدم بيدي وصورته، وكذا وكذا، ثم أمرت الملائكة بالسجود له ثم قلت له: كذا.... وعرض القصة بهذه الطريقة أسلوب من أساليب التشويق، يصنعه الآن المؤلفون والكتاب في قصصهم، فيعطوننا في بداية القصة لقطة لنهايتها لإثارة الرغبة في تتبع أحداثها، ثم يعود فيعرض لك القصة من بدايتها تفصيلا، إذن: هذا لون من ألوان الإثارة والتشويق والتنبيه. ومن ذلك أسلوب القرآن في قصة أهل الكهف، حيث ذكر القصة موجزة فقال:
أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا * إذ أوى الفتية إلى الكهف فقالوا ربنآ آتنا من لدنك رحمة وهيىء لنا من أمرنا رشدا * فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا * ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا
[الكهف: 9-12]. ثم أخذ في عرضها تفصيلا:
نحن نقص عليك نبأهم بالحق..
[الكهف: 13]. وقد جاء هذا الأسلوب كثيرا في قصص القرآن، ففي قصة لوط - عليه السلام - يبدأ بنهاية القصة وما حاق بهم من العذاب:
كذبت قوم لوط بالنذر * إنآ أرسلنا عليهم حاصبا إلا آل لوط نجيناهم بسحر
[القمر: 33-34]. ثم يعود إلى تفصيل الأحداث:
ولقد أنذرهم بطشتنا فتماروا بالنذر * ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنآ أعينهم فذوقوا عذابي ونذر
[القمر: 36-37]. ومن أبرز هذه المواضع قوله تعالى في قصة موسى وفرعون:
ثم بعثنا من بعدهم موسى بآياتنآ إلى فرعون وملئه فظلموا بها فانظر كيف كان عاقبة المفسدين
[الأعراف: 103] أي: من بعد موكب الرسالات إلى فرعون وملئه فظلموا بها، فانظر كيف كان عاقبة المفسدين، هذا مجمل القصة، ثم يأخذ في قص الأحداث بالتفصيل:
وقال موسى يفرعون إني رسول من رب العالمين
[الأعراف: 104]. وهكذا أسلوب القرآن في قصة آدم عليه السلام، يعطينا مجمل القصة، ثم يفصلها: ﴿ وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لأدم فسجدوا ﴾ [طه: 116] يعني: إذكر إذ قلنا للملائكة
اسجدوا لأدم..
[البقرة: 34]. وقبل أن نخوض في قصة أبينا آدم - عليه السلام - يجب أن نشير إلى أنها تكررت كثيرا في القرآن، لكن هذا التكرار مقصود لحكمة، ولا يعني إعادة الأحداث، بل هي لقطات لجوانب مختلفة من الحدث الواحد تتجمع في النهاية لتعطيك القصة الكاملة من جميع زواياها. كما أن الهدف من قصص القرآن تثبيت النبي صلى الله عليه وسلم لأنه سيمر بكثير من الأحداث والشدائد، سيحتاج في كل منها إلى تثبيت، وهذا الغرض لا يتأتى إذا سردنا القصة مرة واحدة، كما في قصة يوسف عليه السلام مثلا.
قوله تعالى: ﴿ وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لأدم فسجدوا.. ﴾ [طه: 116] البعض يعترض يقول: كيف تسجد الملائكة لبشر؟ نعم، هم سجدوا لآدم، لكن ما سجدوا من عند أنفسهم، بل بأمر الله لهم، فالمسألة ليست سجودا لآدم، بقدر ما هي إطاعة لأمر الله. ولقائل هذا الكلام: أأنت ملكي أكثر من الملك؟ يعني: أأنت رباني أكثر من الرب؟ وما معنى السجود؟ السجود معناه: الخضوع، كما جاء في قوله تعالى:
ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا..
[يوسف: 100] أي: سجود تعظيم وخضوع، لا سجود عبادة. وآدم - عليه السلام - هو خليفة الله في الأرض، لكنه ليس الوحيد عليها، فعلى الأرض مخلوقات كثيرة منها المحس، كالشمس والقمر والنجوم والهواء والماء والأرض والجبال، وكل ما فيه مصلحة لهذا الخليفة، ومنها ما هو خفي كالملائكة التي تدير خفى هذا الكون، فمنهم الحفظة والكتبة، ومنهم المكلفون بالريح وبالمطر.. إلخ من الأمور التي تخدم الخلق. فلا بد - إذن - أن يخضع الجميع لهذا المخدوم الآتي. وقد يحلو للبعض أن يقول: لقد ظلمنا آدم حين عصى ربه، فأنزلنا من الجنة إلى الأرض. نقول: يجب أن نفهم عن الله تعالى، فالحق - تبارك وتعالى - لم يخلق آدم للجنة التي هي دار الخلد، إنما خلقه ليكون خليفة له في الأرض، كما قال سبحانه: