تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

20.69

وهذا أصل المعجزة في عصا موسى، أن تلقف وتبتلع ما يأفكون من السحر وكلمة ﴿ تلقف.. ﴾ [طه: 69] تعطيك الصورة الحركية السريعة التي تشبه لمح البصر، تقول: تلقفته يعني أخذته بسرعة وشدة، وهذه هي العلة في العصا أن تلقف ما صنعوا من السحر ﴿ إنما صنعوا كيد ساحر.. ﴾ [طه: 69] والكيد: التدبير الخفي للتغلب على الخصم، لكن ماذا يفعل كيد الساحر وألاعيبه وتلفيقه أمام قدرة الرب تبارك وتعالى؟ ثم يقول تعالى: ﴿ ولا يفلح الساحر حيث أتى ﴾ [طه: 69] سبق أن تكلمنا في مسألة فلاح الساحر، وأنه مهما أوتي من قدرة على تسخير الجن لعمل شيء فوق طاقة الإنس، فلن يعطيه ذلك ميزة على غيره، ولن تكون له قدرة على شيء. فإياكم أن تظنوا أن الله تعالى ملك مصالحكم لهؤلاء، صحيح هو يفعل، أما الإصابة والأذى فبإذن الله وتحت عنايته:

وما هم بضآرين به من أحد إلا بإذن الله..

[البقرة: 102] وهذه القضية لا تنسحب على الساحر فحسب، إنما على الوجود كله، وإلى أن تقوم الساعة. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ فألقي السحرة سجدا... ﴾.

20.70

قال الزجاج في هذا الموقف: عجيب أمر هؤلاء، فقد ألقوا حبالهم وعصيهم للكفر والجحود، فإذا بهم يلقون أنفسهم للشكر والسجود. نعم، لقد دخلوا كافرين فجرة فخرجوا مؤمنين بررة، لأنهم جاءوا بكل ما لديهم من الكيد، وجمعوا صفوة السحر وأساتذته ممن يعلمون السحر جيدا، ولا تنطلي عليهم حركات السحرة وألاعيبهم، فلما رأوا العصا وما فعلت بسحرهم لم يخالطهم شك في أنها معجزة بعيدة عما يصنعونه من السحر لذلك سارعوا ولم يترددوا في إعلان إيمانهم بموسى وهارون. وهذا يدلنا على أن الفطرة الإيمانية في النفس قد تطمسها الأهواء، فإذا ما تيقظت الفطرة الإيمانية وأزيلت عنها الغشاوة سارعت إلى الإيمان وتأثرت به. لقد سارع السحرة إلى الإيمان، وكان له هوى في نفوسهم، بدليل أنهم سيقولون فيما بعد:

ومآ أكرهتنا عليه من السحر..

[السحر: 73] فكانوا مكرهين، كانوا أيضا مسخرين، بدليل قولهم:

.. إن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين

[الأعراف: 113]. كأنهم كانوا لا يأخذون على السحر أجرا، فلما كانت هذه المهمة صعبة طلبوا عليها أجرا، فهي معركة تتوقف عليها مكانته بين قومه، أما ممارستهم للسحر إرهابا للناس وتخويفا لمن تسول له نفسه الخروج والتمرد على فرعون، فكان سخرة، لا يتقاضون عليه أجرا. لذلك لم يعارض فرعون سحرته في طلبهم، بل زادهم منحة أخرى

وإنكم لمن المقربين

[الأعراف: 114] فسوف تكونون سدنة الفرعونية، يريد أن يشحن هممهم، ويشحذ عزائمهم، حتى لا يدخروا وسعا في فن السحر في هذه المعركة. إذن: فطباعهم وفطرتهم تأبى هذا الفعل، وتعلم أنه كذب وتلفيق، لكن مذا يفعلون وكبيرهم يأمرهم به، بل ويكرههم عليه، ويلزمهم أن يعلموا غيرهم، لماذا؟ لأن السحر والشعوذة والتلفيق هي رأس ماله وبضاعته التي يسعى إلى ترويجها، فعليها يقوم ملكه وتبنى ألوهيته. وقوله تعالى: ﴿ فألقي السحرة سجدا.. ﴾ [طه: 70] فرق بين

فألقوا حبالهم وعصيهم..

[الشعراء: 44] وهذا منهم عمل اختياري، وبين ﴿ فألقي السحرة سجدا.. ﴾ [طه: 70]: يعني على غير اختيارهم وعلى غير إرادتهم، كأن صولة الحق فاجأت صحوة الفطرة، فلم يملكوا إلا أن خروا لله ساجدين، فالإلقاء هنا عمل تلقائي دون تفكير منهم ودون شعور، فقد فاجأهم الحق الواضح والمعجزة الباهرة في عصا موسى، لأنها ليست سحرا فهم أعلم الناس بالسحر. ونلحظ في هذه الآية أنها جاءت بصيغة الجمع ألقي السحرة، قالوا، آمنا. لتدل على أنهم كانوا يدا واحدة لم يشذ منهم واحد، مما يدل على أنهم كانوا مكرهين مسخرين. كما أن إعلان إيمانهم جاء بالفعل المرئي المشاهد للجميع ﴿ فألقي السحرة سجدا.. ﴾ [طه: 70]، ثم بالقول المسموع ﴿ قالوا آمنا برب هارون وموسى ﴾ [طه: 70] وفي آية أخرى:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٥٦٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٥٦٩