20.8
هذه الكلمة لا إله إلا هو هي قمة العقيدة، وقال عنها النبي صلى الله عليه وسلم:
" خير ما قلته أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله ".
وما دام لا إله إلا الله، فهو سبحانه المؤتمن عليك، فليس هناك إله آخر يعقب عليه، فاعمل لوجهه يكفك كل الأوجه وتريح نفسك أن تتنازعك قوى شتى ومختلفة، ويغنيك عن كل غنى.
" وحينما دخل أعرابي على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتكلم مع أبي بكر - رضي الله عنه - لم يفهم من كلامهما شيئا، فقال: يا رسول الله أنا لا أحسن دندنتك ولا دندنة أبي بكر، أنا لا أعرف إلا: لا إله إلا الله محمد رسول الله. فقال صلى الله عليه وسلم: " حولها ندندن يا أخا العرب ".
فهي الأساس والمركز الذي يدور حوله الإسلام. وكلمة الله علم على واجب الوجود بكل صفات الكمال له، فهو الله الموجود، الله القادر، الله العالم، الله الحي، الله المحيي، الله الضار. فكل هذه صفات له سبحانه، لكن هذه الصفات لما بلغت حد الكمال فيه تعالى أصبحت كالاسم العلم، بحيث إذا أطلق الخالق لا ينصرف إلا له، والرازق لا ينصرف إلا له. وقد يشترك الخلق مع الخالق في بعض الصفات، كما في قوله تعالى:
وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم..
[النساء: 8]. فالإنسان أيضا يرزق، لكن رزقه من باطن رزق الله، فهو سبحانه الرازق الأعلى، ومن بحره يغترف الجميع. وكما في قوله تعالى:
فتبارك الله أحسن الخالقين
[المؤمنون: 14] وقال تعالى:
وتخلقون إفكا..
[العنكبوت: 17]. ومعنى ذلك أن هناك خالقين غيره سبحانه، ومعنى الخلق: الإيجاد من عدم، فالذي جاء بالرمل وصنع منه كوبا فهو خالق للكوب، فأنت أوجدت شيئا من عدم، والله تعالى أوجد شيئا من عدم، ولكنك أوجدت من موجود الله قبل أن توجد أنت، فهو - إذن - أحسن الخالقين في حين لم يضن عليك ربك بأن ينصفك ويسميك خالقا. وهذا يوجب عليك أن تنصفه سبحانه وتقول
أحسن الخالقين
[المؤمنون: 14]. وأيضا، فإن الله تعالى إذا احترم إيجادك لمعدوم فسماك خالقا له، ولم يضن عليك فأعطاك صفة من صفاته إنما أخبرك أنه أحسن الخالقين لأنك توجد معدوما يظل على إيجادك ويجمد على هذه الحالة، لكن الخالق - سبحانه وتعالى - يوجد معدوما ويمنحه الحياة، ويجعله يلتقي بمثله وينجب، فهل يستطيع الإنسان الذي أوجد كوبا أن يجعل منه ذكرا وأنثى ينتجان لنا الأكواب؟! وهل يكبر الكوب الصغير، أو يتألم إن كسر مثلا؟! إذن: فالخالق سبحانه هو أحسن الخالقين، وكذلك هو خير الرازقين، وخير الوارثين، وخير الماكرين.
وقوله تعالى: ﴿ له الأسمآء الحسنى ﴾ [طه: 8] الحسنى: صيغة تفضيل للمؤنث مثل: كبرى، تقابل " أحسن " للمذكر. إذن: فهناك أسماء حسنة هي أسماء الخلق، أما أسماء الله فحسنى لأنها بلغت القمة في الكمال، ولأن الأسماء والصفات التي تنطبق عليها موجودة في الخالق الأعلى سبحانه، فحين تقول في أسماء الله تعالى الرازق فهي الصفة الحسنى لا الحسنة. لذلك لما أراد رجل يدعى سعد أن يشاور أباه في خطبة ابنته حسنى وقد تقدم لها رجلان: حسن وأحسن. فقال له أبوه فحسنى يا سعد للأحسن. وقال تعالى:
للذين أحسنوا الحسنى وزيادة..
[يونس: 26] فلم يقل: حسنة، لأنهم أحسنوا فاستحقوا الحسنى بل وزيادة. وأسماء الله تعالى هي في الحقيقة صفات، إلا أنها لما أطلقت على الحق - تبارك وتعالى - أصبحت أسماء. ولك أن تسمى فتاة زنجية قمر وتسمى قزما الطويل لأن الاسم إذا أطلق علما على الغير انحل عن معناه الأصلي ولزم العلمية فقط، لكن أسماء الله بقيت على معناها الأصلي حتى بعد أن أصبحت علما على الله تعالى، فهي - إذن - أسماء حسنى. وبعد أن تكلم الحق - تبارك وتعالى - عن الرسول الخاتم صاحب المنهج الخاتم - فليس بعده نبي وليس بعد منهجه منهج - أراد سبحانه أن يسليه تسلية تبين مركزه في موكب الرسالات، وأن يعطيه نموذجا لمن سبقوه من الرسل، وكيف أن كل رسول تعب على قدر رسالته، فإن كانت الرسالات السابقة محدودة الزمان محدودة المكان، ومع ذلك تعب أصحابها في سبيلها، فما بالك برسول جاء لكل الزمان ولكل المكان؟ لا بد أنه سيواجه من المتاعب مثل هؤلاء جميعا. إذن: فوطن نفسك يا محمد على أنك ستلقى من المتاعب والصعاب ما يناسب عظمتك في الرسالة وخاتميتك للأنبياء، وامتداد رسالتك في الزمان إلى أن تقوم الساعة، وفي المكان إلى ما اتسعت الأرض. لذلك اختار الحق - تبارك وتعالى - لرسوله صلى الله عليه وسلم نبيا من أولي العزم لأنه جاء لبني إسرائيل وجاء لفرعون، وقد كان بنو إسرائيل قوما ماديين، أما فرعون فقد ادعى الألوهية، اختار موسى - عليه السلام - ليقص على رسول الله قصته ويسليه فيما يواجهه من متاعب الدعوة، كما قال تعالى: