تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

20.61

لما رأى موسى السحرة أراد أن يحذرهم مما هم مقبلون عليه، وأن يعطيهم المناهي التي تمنعهم، فذكرهم بأن لهم ربا سيحاسبهم كما تقول لشخص، تراه مقدما على جريمة، لو فعلت كذا سأبلغ عنك الشرطة، وستعاقب بكذا وكذا، وتذكره بعاقبة جريمته. ﴿ لا تفتروا على الله كذبا.. ﴾ [طه: 61] افترى أي: جاء بالفرية، وهي تعمد الكذب ﴿ فيسحتكم بعذاب.. ﴾ [طه: 61] يعني: يستأصلكم بعذاب الدنيا قبل عذاب الآخرة ﴿ وقد خاب من افترى ﴾ [طه: 61] أي: خسر. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ فتنازعوا أمرهم بينهم... ﴾.

20.62

يبدو أن تخويف موسى لهم بقوله:

ويلكم لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم بعذاب..

[طه: 61] قد أثر فيهم وأخافهم ﴿ فتنازعوا أمرهم.. ﴾ [طه: 62] أخذوا يتساومون القول ويتبادلون الآراء. ﴿ وأسروا النجوى ﴾ [طه: 62] تحدثوا سرا، وهذا دليل خوفهم من كلام موسى، ودليل ما فيهم من استعداد للخير، لكن انتهى رأيهم إلى الاستمرار في الشوط إلى آخره.

20.63

توقف العلماء طويلا حول هذه الآية، لأن فيها قراءتين إن هذان بسكون إن والأخرى إن هذان بالتشديد. والقراءة التي نحن عليها قراءة حفص ﴿ إن هذان لساحران.. ﴾ [طه: 63] و إن شرطية إن دخلت على الفعل، كما نقول: إن زارني زيد أكرمته، وتأتي نافية بمعنى ما، كما في قوله تعالى:

الذين يظاهرون منكم من نسآئهم ما هن أمهاتهم إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم..

[المجادلة: 2]. فالمعنى: ما أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم. كذلك في قوله تعالى: ﴿ إن هذان لساحران.. ﴾ [طه: 63] فالمعنى: ما هذان إلا ساحران، فتكون اللام في ﴿ لساحران.. ﴾ [طه: 63] بمعنى إلا. كأنك قلت: ما هذان إلا ساحران. وتأتي اللام بمعنى إلا، إذا اختلفنا مثلا على شيء، كل واحد منا يدعيه لنفسه، فيأتي الحكم يقول: لزيد أحق به، كأنه قال: ما هذا الشيء إلا لزيد. إذن: اللام تأتي بمعنى إلا. وعلى القراءة الثانية بالتشديد إن هذان لساحران فإن حرف ناسخ ينصب المبتدأ ويرفع الخبر، تقول: إن زيدا مجتهد، أما في الآية بهذه القراءة: إن هذان لساحران جاء اسم إن هذان بالرفع بالألف لأنه مثنى، والقاعدة تقتضي أن نقول هذين. فكيف يتم توجيه إن المشددة الناسخة وبعدها الاسم مرفوع؟ قالوا: هذه لغة كنانة إحدى قبائل العرب، وكان لكل قبيلة لهجتها الخاصة ولغتها المشهورة فيقولون: جعجعة خزاعة، وطمطمانية حمير، وتلتلة بهراء، وفحفحة هذيل.. الخ. ولما نزل القرآن نزل على جمهرة اللغة القرشية لأن لغات العرب جميعها كانت تصب في لغة قريش في مواسم الحج والشعر والتجارة وغيرها، فكانت لغة قريش هي السائدة بين لغات كل هذه القبائل لذلك نزل بها القرآن، لكن الحق تبارك وتعالى أراد أن يكون للقبائل الأخرى نصيب، فجاءت بعض ألفاظ القرآن على لهجات العرب المختلفة للدلالة على أن القرآن ليس لقريش وحدها، ليجعل لها السيادة على العرب، وإنما جاء للجميع. ومن لهجات القبائل التي نزل بها القرآن لهجة كنانة التي تلزم المثنى الألف في كل أحواله رفعا ونصبا وجرا. وشاهدهم في كتب النحو قول شاعرهم:

واها لسلمى ثم واها واها

يا ليت عيناها لنا وافاها

هي المنى لو أننا نلناها

وموضع الخلخال من قدماها

إن أباها وأبا أباها

قد بلغا في المجد غايتاها

فقال: إن أباها. ولم يقل: إن أبيها لأنه يلزم المثنى الألف. إذن: لم ينزل القرآن بلغة قريش على أنها لغة سيادة، وإنما لأنها تنطوي على زبدة فصاحات لغات الجزيرة كلها، وكانت لغة قريش تصفى في مواسم الشعر والأدب في عكاظ وذى المجنة وغيرها. نعود إلى قول الحق تبارك وتعالى: ﴿ قالوا إن هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما.. ﴾ [طه: 63] ويبدو أن استعداء فرعون لقومه على موسى وهارون جاء بنتيجة ونالت حيلته من نفوسهم لذلك يرددون نفس كلام المعلم الكبير فرعون، فيتهمون موسى وهارون بالسحر. وقولهم: ﴿ ويذهبا بطريقتكم المثلى ﴾ [طه: 63] طريقتهم المثلى. أي: ما ارتضاه القوم للعيش عليه، والمذهب والطريق الذي سلكوه. والمراد بالطريقة المثلى التي ساروا عليها أنهم اتخذوا واحدا منهم إلها يعبدونه ويأتمرون بأمر، تلك هي الطريقة المثلى!! والمثلى: أي الفاضلة مذكرها أمثل.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٥٦٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٥٦٤